يختلف الناس على الاجابة. انا شخصيا اقول نعم. وقبل ان اقول لماذا... لنطالع اولا المشهد التالي من التاريخ القريب.الزمان: اواخر ثلاثينات هذا القرن. المكان برلين عاصمة المانيا النازية. ادولف هتلر رئيس الحكومة يلقي خطابا مطولا على البرلمان للرد على انتقادات وجهها الى الزعيم الالماني رئيس الولايات المتحدة الامريكية آنذاك فرانكلين روزفلت. كان هتلر منذ تسلمه السلطة عام1933 منهمكا في تنفيذ برنامجه المعد سلفا لاستعادة الاراضي الالمانية التي اقتطعت قسرا بواسطة القوى الغربية بعد هزيمة المانيا في الحرب العالمية الاولى (1918-1914) وضمت الى عدد من بلدان الجوار الجغرافي بحيث صار الالمان المقيمون في تلك الشرائح الارضية المقتطعة أقليات مضطهدة. في هذا الظرف وصلت الى الزعيم الالماني رسالة الرئيس الامريكي التي يتهم فيها المانيا ضمنا بالعدوان التوسعي مستنكرا الاسلوب الالماني لضم اراضٍ بالقوة رغم ان هدف هتلر كان (إعادة توحيد الامة الالمانية) وقال روزفلت ان الافضل حل هذه القضايا على مائدة التفاوض وقاعات المؤتمرات. وفي البرلمان نهض هتلر ليرد على الرئيس الامريكي. قال الزعيم الالماني: انني اشك في ايمان امريكا بالوسائل السلمية, فتحرير امريكا نفسها لم يتحقق عن طريق مائدة مفاوضات (اشارة الى تخلص امريكا من الاستعمار البريطاني عن طريق القتال) ثم ان النزاع بين الشمال والجنوب في امريكا لم يحسم عن طريق المؤتمرات السلمية (إشارة الى الحرب الاهلية الامريكية) . ولن اقول شيئا عن النضالات المتصلة التي ادت اخيرا الى اخضاع قارة امريكا الشمالية بأكملها. اشارة الى الحروب الاستئصالية للمهاجرين الامريكيين ضد السكان الاصليين, الهنود الحمر) . ثم اضاف هتلر: (أسرد كل هذا لكي اوضح ان وجهة نظرك يا سيد روزفلت, رغم انها دون ريب جديرة بالاحترام, تبقى خالية من الاثبات في تاريخ بلادك نفسها) . ولنعد الى السؤال: هل يعيد التاريخ نفسه؟ هذا المشهد الالماني الامريكي الذي يعود لاكثر من ستين عاما يمكن ان يتكرر اليوم بصورة لا تختلف الا شكليا. في مكان فرانكلين روزفلت ضع بيل كلينتون... وفي مكان ادولف هتلر ضع جيانج زيمين, الرئيس الصيني. وعلى هذا النحو يعقل جدا ان يبعث بيل كلينتون الى نظيره الصيني رسالة يحذر فيها من لجوء الصين الى اسلوب القوة لضم تايوان تحت شعار (إعادة توحيد الامة الصينية) ... وفي هذه الحالة يرد عليه زيمين معيدا الى الاذهان ما ورد في رد هتلر الى روزفلت من تحبيذ امريكي للقوة كأفضل اسلوب لتحقيق غايات وطنية عليا. والواقع ان الوجود العسكري الصيني المتعاظم في بحر الصين والمحيط الهادىء ليس سوى تحضير متجدد من اجل استرداد تايوان في يوم من الايام مع استخدام القوة اذا دعا الحال. وبالمثل فان الولايات المتحدة تعتمد حتى يومنا هذا القوة العسكرية العارية كأفضل أداة للتعامل مع الدول الاخرى على الساحة الدولية. ان التاريخ يكرر نفسه ولن يكف عن تكرار نفسه لسبب بسيط هو انه بينما تتغير المشاهد المتتالية عبر المسيرة التاريخية فإن الطبيعة البشرية لا تتغير. والطبيعة البشرية ـ لدى الجماعات بقدر ما هي لدى الافراد ـ مجبولة على الانانية وحب الاستحواذ والاقتناء... الخصال التي تفرز التفكير في العدوان على (الآخر) الذي بدوره يتحول الى اقتتال. يتقدم البشر اقتصاديا وتكنولوجيا وثقافيا ولكن حب الذات وحب التمييز وحب السيطرة تبقى كما هي كدوافع غريزية أصيلة تغذي المشاعر العدوانية على الدوام. وفي هذا لا يختلف عهد عن عهد. فالتاريخ البشري هو في الحقيقة مسلسل طويل من النزاعات والحروب المتصلة التي يشعلها حب التفوق.