ينظر البعض الى فكرة العولمة, التي انبثقت بشكل واضح خلال هذا العقد, نظرة متشائمة ولهم اسبابهم, فيما ينظر البعض الآخر نظرة متفائلة ولهم اسبابهم ايضا.أصحاب النظرة المتشائمة يرون ان العولمة ما هي الا صياغة جديدة وخبيثة لفكرة الاستعمار القديمة, وهي آخر مراحل الرأسمالية وأدهى تطورات الامبريالية , حيث السوق التنافسية في كل شيء مفتوحة امام الجميع ولكن الهيمنة حتما للأقوى فالأقوى. وأمريكا اليوم بمعايير مختلفة هي الاقوى عالميا, لذلك فإن العولمة هي فضاء متاح لسيادتها في العالم, ولسيطرة قيمها ونمط حياتها على كل الجوانب لتصبح الشعوب الضعيفة اما ذائبة في صهريج السيادة الرأسمالية, واما مهمشة مع الوقت, حيث لا حول لها ولا قوة ولا امكانات متاحة على التنافس الضاري الذي يسود عالم اليوم تقوده التكتلات الرأسمالية الكبرى, مقابل تفكك الشعوب التي تتحول مع الوقت الى بلدان لانتاج الأيدي الرخيصة, فيما العقل المدبر والادارة والسيطرة على الانتاج هي بيد تلك الدول الكبرى. ويرون أيضا ان من بين سلبيات هذه العولمة (تسليع) كل شيء, بما فيه الانسان والثقافة وخصوصيات الشعوب وهوياتها... انه بحر متلاطم سيأكل فيه السمك الكبير الأسماك الصغيرة, مادام الاقتصاد والمال أو الرأسمال هوالذي يحدد قيمة كل شيء في الحياة... انها حلبة واسعة تغلبت فيها الرأسمالية وأنماط قيمها وطرق معيشتها على مخيلة كل الشعوب, وأصبح الحلم الأمريكي المدعوم بالاعلام القوي والسينما والدعاية والاعلان, هو الخيال الذي يداعب الأفراد مثلما يداعب الدول الواقعة في فخ التخلف والجهل وأحيانا كثيرة الأمية, الى جانب المديونية العالية التي تعيش بها ومن خلالها وتحت قبضة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونظام (الجات) , وغيرها من الآليات الرأسمالية التي واجهتها المساعدة وجوهرها السيطرة والتحكم في سيادة الدول المستعينة بها. القومية الاقتصادية أما أصحاب النظرة المتفائلة فإنهم يرون عكس ذلك... انهم يجدون حدثا عالميا ينضج ويتكامل لأول مرة في التاريخ البشري... حيث الثورة الاعلامية والمعلوماتية تجعل من العالم قرية صغيرة متصلة ببعضها ومتواصلة الى حد كبير, بحيث ان أي حدث يحدث في العالم بإمكانه ان يكون حديث كل بيت في كل البلدان معا, وان البث المباشر جعل من الأحداث والأخبار عاملا مشتركا بين كل الشعوب... وان هناك مجالا للدول الضعيفة لكي تقوى اذا أرادت والدول التي تجمعها عوامل مشتركة ان تتكتل وتتوحد اذا شاءت. إن العولمة تتيح أبعادا اقتصادية جديدة لكل الدول في العالم, وهي بإسقاطها الصفة القومية والصفة الوطنية عن السوق وعن الانتاج والرأسمال انما تنقل النشاط الاقتصادي من مستوى الدولة الواحدة الى مستوى الكرة الأرضية ككل, مثلما يقول جورج طرابيشي وهو أحد المتفائلين بالعولمة كظاهرة عالمية جديدة. إن شبكة الانترنت العالمية تتيح اليوم للدول الرأسمالية الكبيرة ان تنقل جوانب من أنشطتها الاقتصادية الى بلدان أخرى, وغالبيتها فقيرة وفي الوقت نفسه هي الدول الحاضنة للأيدي العاملة الرخيصة, وهذا في نظر المتفائلين يفتح الباب أمام عمالة جديدة في البلدان التي تعاني من بطالة سكانها بشكل كبير. إن اختراق البلدان واختراق التقسيم القومي للعمل يبيحان في ضوء المنافسة الدولية (فرصة تاريخية لا متوقعة للبلدان المنخفضة في مستوى الحياة والمنخفضة في قيمة العملة, ان تحول نقطة ضعفها الى نقطة قوة, وان تتحول بالتالي الى بؤرة جذب للرساميل والمشاريع اللاهثة باستمرار بحكم قانون المنافسة, وراء تخفيض الكلفة) . ويضيف المتفائلون ان: العولمة أدت, كما هو مفترض, الى تغيير مشهد العالم. فالناتج المحلي الخام, مقاسا بالقدرة الشرائية الفعلية قد تضاعف في الفترة بين 1960 و1996 نحو أربع مرات. فارتفع من 8230 مليار دولار عام 1960 الى 31350 مليار دولار عام 1996. وهو ما تصحبه اعادة توازن وإعادة توزيع للناتج العالمي. حيث كان حتى عام 1960 يسيطر قطبان على العالم هما امريكا وأوروبا الغربية, وبعد ذلك التاريخ خرجت ظاهرة النمور الآسيوية, وقبلها خرج القطب الياباني الذي سجل تطورا مذهلا في الانتاج والاقتصاد, وخرجت منظومة البلدان الصناعية الجديدة ممثلة في الموجة الاولى بكوريا الجنوبية وتايوان وهونج كونج وسنغافورة, وفي موجة ثانية بماليزيا والفلبين وتايلاند, وأخيرا باندونيسيا التي تعد اليوم بسكانها (200 مليون) أول دولة اسلامية ورابع أكبر دولة في العالم, الى جانب الصين وكوريا الشمالية. أما بالنسبة للبلدان العربية فيتراجع المتفائلون في تفاؤلهم, حيث الاحصاءات تشير الى ان البلدان العربية في جملتها (لم تثبت بعد قدرة موازية على استغلال الفرصة التي أتاحها عصر العولمة لآسيا الشرقية. وقد يمكن التمييز بين الدول العربية الخليجية والدول العربية المتوسطية. فالدول الخليجية كانت قد ضاعفت, بفضل الطفرة النفطية, حصتها من الناتج العالمي, ولكن معدل نموها عاد يتباطأ منذ حرب الخليج الأولى, وعلى الأخص الثانية, اما البلدان العربية المتوسطية فقد راوحت اجمالا في مكانها, فهي لم تكسب من حيث النمو الاقتصادي سوى نصف نقطة, اذ ارتفعت حصتها من الناتج العالمي من 1.5% عام 1960 الى 2% عام 1996.. الا ان هذا النمو الاقتصادي الطفيف قد استنفده, بل طغى عليه, النمو السكاني. ففي الحقبة نفسها ارتفعت الحصة الديموغرافية للبلدان العربية المتوسطية من 2.2% الى 2.9% من سكان العالم) . إذن وحتى المتفائلين يتراجعون عن تفاؤلهم بآثار العولمة, حين يواجهون واقع العالم العربي الذي لا يزال مشتتا ولم ينجح في خلق تكتل اقتصادي كبير, فيما التزايد السكاني يبتلع أي نمو اقتصادي طفيف تحققه البلدان العربية, وهذا يعني انه اذا استمر الواقع الاقتصادي كما هو اليوم فإن الدول العربية مرشحة مستقبلا للوقوع في حالة من التهميش الاقتصادي, الا اذا حدثت معجزة ونفض العرب عن أنفسهم غبار الضعف المستحكم وخرجوا الى عالم العولمة وهم يمثلون قوة اقتصادية كبيرة. والغريب ان الامكانات العربية تؤهل البلدان العربية معا لكي تشكل عملاقا اقتصاديا عالميا في ظل العولمة الجديدة, ولكن أمورا كثيرة اغلبها سياسية تحول دون هذه القوة ودون بزوغها. هذا يعيدنا الى اشكالية (القومية الاقتصادية) كما اسميها, والتي لم تستطع بعد ان تأخد بعدها العربي رغم كل ما هو متاح أمامها اليوم من الدخول فيها والانضواء تحت يافطتها, بحكم المصلحة والاقتصاد وليس بحكم الهوية والقومية الشعاراتية المثالية. القومية كهوية هناك رأي يقول ان القومية فكرة حديثة ومصطنعة, خرجت كفكرة مؤدلجة منذ نهاية الحرب العالمية الاولى, ويرجعها البعض الى ما بعد الحرب العالمية الثانية.. قبل ذلك كان الشعار الديني هو الذي يطغى, وهو الذي قاد دولاًَ اوروبية متناحرة الى شن الحروب الصليبية على البلاد الاسلامية العربية مثلا.. ولكن الاهم ليس فكرة حداثة القومية او قدمها بالنسبة للواقع العربي تحديدا, وانما هو ما تمثله الفكرة القومية الوحدوية اليوم من امكانيات مفتوحة لتحالف اقتصادي عربي, قائم على ارضية مشتركة من عوامل توحيدية كثيرة تقف على رأسها القائمة المعروضة في اللغة المشتركة والتاريخ المشترك والدين المشترك والعوامل الثقافية والاجتماعية والنفسية المتقاربة, الى جانب حلم التحقق والخلاص المشترك. وفي تصوري ان فكرة القومية حتى بدون التسمية الدارجة اليوم هي جوهريا او ضمنيا تمثل احدى درجات خصوصيات الانواع والاجناس البشرية منذ فجر التاريخ, وتطويرا لها باعتبار ان كل جماعة من الجماعات او جنس من الاجناس تجمعها خصائص مشتركة تنضوي في النهاية تحت فكرة الخصوصية التي تؤهلها للدفاع عن نفسها, وذلك ما أنتج على مدار التاريخ البشري ابداعات انسانية مختلفة في كل الجوانب, وهو نفسه اليوم وفي ظل العولمة الرأسمالية والامبريالية, ما يجعل العديد بل الكثير من الشعوب تخشى على اندثار خصوصياتها وهويتها القومية والوطنية, في اطار نظام قائم اساسا على الاقتصاد الرأسمالي الذي يسعى لتسليع كل شيء بما فيه الانسان والقيم والثقافات والهويات وكل ما لا يتسلع يتم تهميشه في السوق الكبيرة وبذلك تكون مع الوقت ـ ما لم تنتبه الشعوب الضعيفة ـ هناك امكانية مفتوحة لتذويب الخصوصيات والثقافات ودخولها في معيارية الثقافة الرأسمالية المادية التي ـ مع الأسف ومن هذا الجانب ـ ليست هي بأفضل ما وصلت اليه البشرية عبر تاريخها من قيم وثقافة وفكر. والغريب انه رغم ذلك فإن احد مظاهر العولمة الجديدة هو انتصار القوميات الكبرى, بما فيها قوميات الاقتصاد التي هي اليوم القومية الاقوى على حساب قوميات وهويات الشعوب الاضعف من الجانب الاقتصادي والسياسي, رغم تمتعها بقوة الحضارات القديمة مثل مجمل البلدان العربية. ومن هنا ربما يؤخذ نزوع هؤلاء لترسيخ هويتهم, ولفكرة قومية ينضوون تحتها, تحت باب غريزة الوجود والدفاع عن الذات في خضم صراعي محتدم يعيدنا الى ان الرأسمالية الامبريالية تسعى اليوم وتحت سطوة قوتها وهيمنتها, الى ترسيخ (صراع الحضارات) لا ترسيخ (حوار الحضارات) , لأن الصراع هو سمتها الغالبة ولأنها تدرك انها ستكون المنتصرة في الصراع ما دامت الاطراف الاخرى متخلفة وضعيفة واحيانا مهمشة, حتى لو كانت تمتلك ارضية تاريخية قديمة وخلفية حضارية انسانية رائدة.. كل ذلك بإمكانه ان يتهمش امام قوة الرأسمال وقوة الهيمنة الامبريالية, وهي في الآخر احد اخطر اشكالها الاقتصادية الكاسحة لكل العالم. ان الذين يقولون اليوم ان فكرة القومية هي فكرة جديدة ومصطنعة وضيقة الافق امام انفتاح العالم على بعض وانفتاح الشعوب على بعضها, يتجاهلون حقيقة ان هذا الانفتاح هو انفتاح غير ندّي ولا يضمن مساواة الشعوب ببعضها... وانه انفتاح الاضعف على الاقوى, وهو انفتاح بالتالي غير انساني وغير حقيقي ما دامت الشركات الكبرى هي التي تسيّر اليوم مصائر الدول والشعوب حسب قانون السوق والسلعة, وليس قانون الحضارة والثقافة والمبادىء الانسانية التي يجب ان تتمتع بها كل الشعوب على قدم وساق. لذلك فإن المتفائلين بالعولمة المعاصرة والمتشائمين من جهل الشعوب للحفاظ على هويتها وخصوصيتها, انما هم يحلقون بالفكرة الانسانية (غير المتحققة) حتى الآن في التجريد, بدل وضعها ضمن سياقها التاريخي والزمني وضمن معطياتها السياسية والاجتماعية والثقافية. وهي حيث يتعملق الآخر في اقصى درجات رأسماليته ويفتح باب عولمة مفترضة ومشوشة ثم عولمة اجبارية... انما هو يسعى ـ بين ما يسعى اليه ـ لتأكيد خصائصه الذاتية ولغته الخاصة على حساب خصائص أو خصوصيات الشعوب الاخرى التي لا تجد في يدها امام هذا الغول الكبير الا مزيدا من التشبث بهويتها وخصوصيتها وقوميتها, ومن ثم التأقلم مع القوميات الاخرى حسب المشترك بين بشر منطقة وبشر منطقة اخرى... اما فكرة التخلي عن تلك الهوية مقابل هوية انسانية وكونية عامة فإنها فكرة ـ لا تزال ـ مثالية ما دامت الشعوب ككل لا تؤمن بها ولا تسعى لتحقيقها معا. وفي هذه الفترة الزمنية والتاريخية المعاصرة تصبح الفكرة القومية هي الدافع لتوحد اشمل وأكبر ضمن خصوصيات تجمع بين شعوب متجانسة في اغلب الاشياء كالشعوب العربية تحديدا. ان المنطقة العربية وهي تعيش اليوم في حالة صراع وجود (رغم الدعوات السلمية) مع القضية المركزية, وهي القضية العربية ـ الاسرائيلية ووجود اسرائيل المفروض بالقوة والنازع للتمدد والهيمنة على المقدرات العربية... هذا الكيان المصطنع الذي استطاع ان يجعل من دينه قومية تجمع بين يهود من شعوب مختلفة وأجناس متمايزة... كيف تتم مواجهته ويكون بالامكان امامه, وامام الفكرة الانسانية الكبرى, تنازل الشعوب العربية عن قوميتها المؤسسة على اساس تاريخي قديم رغم عدم نجاحه, مقابل قومية مصطنعة تسعى منذ بدء دينها الى ان تجعل من نفسها فئة متميزة وخاصة بين شعوب كل العالم وليس في مواجهة العرب وحدهم؟ لقد استطاعت اسرائيل ان تحول القومية الموهومة او المزعومة الى قوة عسكرية واقتصادية وسياسية وتكنولوجية ضاربة في عمق المنطقة, تدعمها في ذلك امريكا الاقوى والتي تقف اليوم على رأس المروجين لفكرة العولمة الجديدة حسب مواصفاتها الرأسمالية الشرسة. إن فكرة العولمة كما يريدها الرأسماليون المهيمنون, وهي تدور حول تسليع كل شيء بما فيه الانسان وقيمه وثقافته وهويته وحضارته تعني ان الخصائص الذاتية للشعوب الفقيرة والضعيفة ستصبح في مهب الريح لان الثقافة لا تسلع ولا كذلك الهويات الخاصة, ولا كل ما يندرج تحتها, وبالتالي فهي تهمش حيث السطوة اليوم هي السطوة الرأسمالية وقيمها. واذا كانت الوحدة الاوروبية اليوم تلقى مزيدا من التخوف في الشعوب الاوروبية والخوف على تذويب خصوصيات كل شعب ضمن التشابه الاوروبي العام, فإن الاجدر بالشعوب الاخرى ان تؤكد ايضا على خصوصياتها وعلى هويتها ضمن مناخ منفتح على العالم.. ان تنفتح على معايير انفتاح الشعوب على بعضها وان تخلق ابوابا اخرى تأتي منها ريح التذويب او التهميش... وذلك من خلال التأكيد على هويتها وخصوصيتها القومية كفكرة تؤدي الى القومية الاقتصادية للعرب وتكتلهم ضمن كتلة اقتصادية كبيرة تدخل الى زمن العولمة بمقاييسه ومعاييره الاقتصادية ولحظتها يكون الانفتاح على العالم انفتاحا صحيا وناضجا. ولكن هل يحقق العرب قوميتهم السياسية وقوميتهم الاقتصادية في القرن المقبل؟. الاجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ـ بدون تفاؤل او تشاؤم ـ مكانة العرب في الزمن المقبل!