التوبة في كتاب "نتانياهو"ٌ، بقلم معصوم مرزوق أنا من جيل رضع قضية فلسطين ولم يفطم منها بعد.. لكأنها طائرنا المعلق فوق رؤوسنا من المهد إلى اللحد.. جيل أرادوا أن يقنعوه باشتهاء الموت من أجل تراب فلسطين.. وقضى العمر يقرأ ويستوعب ويبخر أحلى سنوات العمل في الخنادق.. ويعطي آلاف الشهداء وآلاف غيرهم ممن عادوا من جبهات القتال أحياء ولكن مشوهين وبعد أن قرأت كتاب "مكان تحت الشمس" لـ"نتانياهو" وبعض الكتب الأخرى المفيدة.. عرفت أنه قد أتى اليوم لمن يقول لهذا الجيل لقد عشت عمرك كله تقرأ كتبا كاذبة وأفكارا غير صحيحة.. وتابعت ساسة خدعوك وفلاسفة ضحكوا على ذقنك وعقلك.. وأفنيت عمرك في هراء.. وها أنتذا على مشارف الشيخوخة تكتشف "الحقيقة".. وعليك أن تدرك أن تلك القضية لم تكن سوى نوعا من المخدرات ولابد أن تعالج نفسك من الإدمان.. فالمشكلة ليست اغتصاب أرض ولا تشريد الملايين.. ولا هي عنصرية الباغي ولا هي منطق القوة ولا هي "من النيل للفرات أرضك يا إسرا ئيل".. المشكلة هي مرض الإدمان!!. إذن فالصهيونية ليست فكرة عنصرية توسعية.. والعرب كل العرب لم يكونوا يدافعون عن قضية وإنما ـ كما قيل ـ سفاكي دماء وإرهابيين متخلفين.. لم تكن أسلحة فاسدة إذن في أيدي جنود مصر عام 1948 وإنما كانت قضية فاسدة.. وهكذا مات أحمد عبد العزيز ورفاقه وكل من أتى بعدهم في كل "الحروب العدوانية" التي شنها العرب بلا سبب أو مبرر.. سوى أنهم لم ينصتوا لصوت العقل والحكمة.. لم يفهموا نداء السلام الذي أرسله هرتزل وحمله من بعده حاييم وايزمان وبن جوريون.. وهكذا باختصار إن العرب دخلاء على أرض الميعاد . . وحاولوا بحماقة أن يتحدوا الكتب المقدسة فحاقت بهم اللعنة وتاهوا في الأرض أربعين عاما حتى ثابوا إلى رشدهم تائبين نائبين.. واعتذروا عن خطاياهم وأبدوا الندم.. فشملهم غفران بطول غزة/أريحا. ما هو موقع ذلك الجيل ـ جيلي ـ الذي ولد على مشارف نكبة 48 واشتد عوده على انتفاضة 56 حتى انكسر 67 وبعدها قبع في الخنادق كي يحوز أول انتصار على الهزيمة في حرب الاستنزاف يعقبها بقفزة هائلة عبر بها حواجز كثيرة عام 73 ثم يأتي عام 99 وبعد ما يزيد على ربع قرن منذ تلك الوثبة الخاطفة الظافرة.. يتبين الجيل عبثية كل التواريخ السابقة.. وبعد أن شهد أربعة حروب مع عدو.. يكتشف ـ فجأة ـ أنه كان يستطيع منذ البداية أن يكتفي بالاعتراف بالأمر الواقع ويكفي الله المؤمنين شر القتال؟.. هل كانت فلسطين على الخريطة يوما؟ هل هناك شعب فلسطيني؟ هل كانت المسألة تستحق بالفعل هذا العناء؟ وكل هذا الغناء؟ وكل هذا الفناء؟.. أتذكر الآن آلاف الخطب الحماسية والأبواق النحاسية ووثائق ممهورة بالدماء.. ورقيب فصيلتي رضوان في لحظة الاستشهاد ينظر نحوي بعينيه العسليتين قريرا راضيا.. كأنه يؤكد لي قبل رحلته النهائية أنه أوفى بالقسم الذي أقسمناه بأن نحرركامل التراب الوطني ونستعيد فلسطين.. ترى هل ستتذكر الأجيال القادمة شيئا من ذلك؟ .. قد يذكرون فقط أن جيلا كاملا بسبب مصادفات تاريخية عجيبة عاش غبيا ومات أكثر غباءا!!. إن فلسطين وفقا لمنطق لم تكن ضائعة أبدا.. لأنها وفقا لنفس المنطق لم تكن موجودة أبدا.. إذ هي مجرد خيال رومانتيكي لجيل أدمن المراهقة السياسية.. لم يتحل يوما بواقعية الحكماء والجهابذة.. فلسطين مثل امرأة طاغية الجمال والفتنة لم توجد إلا في خيالاتنا.. فخبلتنا كما خبلت ليلى قيسها.. وعندما أفقنا ـ متأخرين ـ اكتشفنا أن من ترقد في فراشنا سيدة قبيحة واقعية باركت زاوجنا بها الكتب المقدسة .. وتم زفافنا إليها في البيت الأبيض المعمور. ولكن جيلنا الأحمق كان قد غادر عمر الخصوبة ولم يبق لديه سوى الإغراق في أحلام اليقظة محلقا خلف فتنة صباه التي أسماها "فلسطين". هل من سبيل إلى توبة نصوح؟! ما أصعب أن يقف المرء على شفا شيخو خته كي يعتذر عما مضى من سنوات عمره.. ويملأه الخجل ويعتريه الأسى والندم كلما تذكر حماقاته وزلاته.. لا يبقى لهذا الإنسان سوى أن يتوارى.. يقطع لسانه.. يفقأ عينيه.. يسكب على ذاكرته حامض الكبريتيك.. ولكن كيف يمكن إخفاء كتلة زمنية بحجم جيل كامل؟؟. حتى بافتراض تمزيق صفحات كتب التاريخ والأناشيد والصحف والمجلات وبرامج الحكومات المتتالية ومستندات المنظمات الدولية.. الخ.. ألن يتبقى ولو مجنون واحد يواصل تلك النزهات القديمة ويحكي عن ذلك الزمن المفقود؟.. كيف يمكن إخفاء مئات الآلاف من جثث الشهداء.. أو إقناع اليتامى أن آبا ءهم مجرد حفنة من السذج البلهاء؟.. المأساة ليست الصلح مع إسرائيل.. وإنما أن نتصالح مع أنفسنا.. ولن يتحقق ذلك إلا بأن نقوم بعملية اعتراف جماعي يشبه الانتحار الجماعي.. نقر فيه بأننا لا نستحق الشفقة ولا الرثاء.. لأننا لم نخدع سوى أنفسنا.. وأتعبنا معنا العالم بسبب تحجرنا وتخلفنا.. وما كان أجدرنا بأن نترك الأمور تجري في أعنتها فكل شيئ يا أسياد يجري بمقدار .. وهذا ما يقوله العقلاء لنا الآن.. ويؤكده "نتن ياهو".. يقولون ألم نقل لكم؟.. لو قبلتم تقسيم 48 لم عانيتم من 56 ولو قبلتم واقعية 67 لما ملأتم السهل والجبل بجثثكم في ..73 ولو قبلتم سلام 79 لكان لكم ما هو أكثر من غزة وأريحا.. فقد كان من الممكن أن يضاف إليها شارع أو شارعين!!.. لكنكم أصحاب الفرص الضائعة.. تفضلون الموت من أجل شعارات وكلام لا يغني ولا يسمن.. رحم الله موشى دايان.. قالها لكم عشية نكسة 67 حين جلس بجوار التليفون قائلا إن العرب يعرفون رقمه.. لكنكم قطعتم السلك الممدود وتزاحمتم كالقطيع حول سيارة ناصر في الخرطوم تهتفون له وتفرحون بما قالته وكالات الأنباء عن قائد منهزم تحمله الجماهير على الأعناق!!. لقد خطب بن جوريون ودكم.. وغازلتكم جولدا.. إلا أنكم فضلتم تلك الفاتنة المجهولة التي اسمها فلسطين ولم تفهموا إشارة نزار قباني حين قال في قصيدته: "ما أصعب أن تهوى امرأة.. ياولدي .. ليس لها عنوان!".. خيبكم الله من جيل ستضحك على خيبته الأجيال.. كتاب المصطلحات الجديدة طبقا لكتاب نتانياهو.. فهو يريد منا أولا وقبل كل شيء أن نسمي الأشياء بمسمياتها.. فمثلا منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن يصبح اسمها منظمة التحريات الفلسطينية كي يتناسب مع دورها الجديد في المحافظة على الأمن في غزة وأريحا.. أم "العدو" الإسرائيلي يجب أن نعيد كتابة تاريخه بما يستدعي بعض التعديلات الطفيفة في الكتب المقدسة ولا بأس من تعديلات أخرى في بعض الرؤوس المتحجرة.. أما تعريف "السلام" فلا يزيد عن أنه "ما باليد حيلة".. وبالنسبة للحرب فهي اختراع لغير جنس العرب.. وفلسطين تدخل على الفور في قائمة المواد المخدرة الممنوعة منعا باتا الاتجار بها أو مجرد حملها أو تعاطيها.. أما النشيد الوطني لجيلنا السعيد فهو: "أنا من ضيع في الأوهام عمره".. ويبقى لمفهوم الأمن العربي معناه الجديد الذي يتلخص في أنه: "قضي الأ مر.. ولله الأمر من قبل ومن بعد".. وعلى من يتهم "نتن ياهو" أن يأتي ببرهانه.. والحمد لله الذي وهبنا نعمة الإدراك قبل فوات الأوان.. وإلا فليقل أحد أين هم الهنود الحمر؟ أو كيف سيكون مصير أهل كوسوفا؟ أو حتى أولئك البلهاء في "نوجورنو كارباخ".. هاهو النظام الدولي الجديد يفرك عينيه.. فلا يرى على خرائطه بقعة تدعى فلسطين.. أو ما يسمى وطنا عربيا.. كل ما هنالك ـ طبقا لنتانياهو ـ هو مجموعة من آبار البترول وقطعان من الأبل والأغنام والحمير.. وقبائل منقسمة مثل "الهوتو" و"التوتسي".. وبعض المجانين على شاكلة أبو المعارك وأم المعارك وأولئك الذين يجمعون نوى التمر كي يدخلوا العصر "النووي".. ومن يقرأون في حلقات الدرس بجد واجتهاد "عذاب القبر" كي يعرفوا عذاب أعدائهم بعد عمر طويل.. وبل الله تربة من قال: تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد..