تتركز الأضواء اليوم على الأدوار والمهام الجديدة التي يمكن ان تضطلع بها المدرسة العربية المستقبلية, ولاسيما في ضوء الجمود الذي يعتري العملية التربوية, ويبقيها حبيسة في بوتقة المقررات الاكاديمية التقليدية, في الوقت الذي نجد فيه باقي القطاعات كالصناعة والطب والجراحة والتكنولوجيا وعلوم الفضاء والذرة والوراثة وغيرها, تتحرك باستمرار, وتتطور بسرعة مدهشة.ولا يمكن لنا بالطبع ان ننكر, او نقلل من شأن او أهمية, ما تقوم به مدارسنا العربية اليوم من مهام عظيمة, فهي تمد الأجيال الناشئة بالمعلومات الاساسية والمعارف المنوعة والاختصاصية, كما تزودهم بالتدريبات العملية والارشاد المهني والتوجيه السليم, وتوفر لهم مختلف النشاطات الرياضية والاجتماعية والترفيهية. ولكن كل هذا تحول للأسف, الى عمل روتيني تقليدي ثابت.. فأصبح لابد بالاضافة الى ضرورة تحسين العملية التعليمية بحد ذاتها, من توسيع دائرة مهام المدرسة العربية, لتشمل حقولا جديدة, من بينها الاهتمام بالقضايا الاخلاقية والقيمية, وببناء شخصية الانسان ومثله ومبادئه. ويرى توماس ليكونا, مؤلف كتاب (التعليم من أجل بناء الانسان) education for character, ان الاطفال في جميع انحاء العالم اصبحوا يميلون اكثر فأكثر, نحو المادية والجشع والايذاء والغش والكذب. وأحد اسباب ذلك, تأثير وسائل الاعلام, ولاسيما الافلام التلفازية المثيرة الزاخرة بأحداث العنف. وهذا ما يجعل تعليم القيم من أشد الموضوعات سخونة في الساحة التربوية, اليوم. ومن هنا, فان على الكتب المدرسية العربية, ان تدخل هذه الامور في الحسبان, فتقرن بين المعارض المعهودة وبين المروءة والفضيلة. اما القيم التي يجب تعليمها, سواء ضمن المقررات الدراسية, او بصورة مستقلة, فهي, في رأي ليكونا: المسئولية والاحترام والنزاهة والأمانة والموضوعية وحب النظام والصبر والتعاون والتعاطف والصدق والشجاعة والوفاء بالوعد والقدرة على التحمل, بالاضافة الى القيم الديمقراطية, مثل تقبل الرأي الاخر. وهكذا, فان على مدارسنا العربية ان تفيد من الاتجاهات التربوية العالمية الحديثة, وتأخذ على عاتقها المهمة السامية المتمثلة بتلقين المبادئ النبيلة والمثل الاخلاقية السامية للطلاب. ومن الادوار الاخرى المقترحة للمدرسة العربية, ان تعمل على تخريج مثقفين حقيقيين يتحلون بالوعي, والقدرة على التفكير النقدي والتلاؤم مع البيئة والتجاوب مع متطلبات العصر, بدلا من تخريج متعلمين وحملة شهادات يملكون كميات كبيرة من المعلومات ويشبهون الآلات الجامدة الخالية من الروح. وقد عبر عن هذه الفكرة بصورة مفصلة, الدكتور سليمان العسكري في افتتاحيته المنشورة في عدد سبتمبر من مجلة العربي, والتي تتمحور حول العلاقة الغائبة بين التعليم والثقافة. وننتقل الان الى دور جديد يحسن ان تتولاه المدرسة العربية ويتجلى في معالجة انحرافات السلوك لدى الطلاب. ومن المعروف ان كثيرا من الناس يفتقرون الى المعلومات الصحيحة حول الاضطرابات النفسية والسلوكية, فنحن نسمع عن معالجة الامراض الفيزيولوجية والعصبية والعقلية, ولكننا نادرا ما نشهد اهتماما بموضوع المعالجة النفسية. وهذه نقطة هامة لان اضطرابات السلوك والامراض النفسية تؤدي الى مشكلات اجتماعية غاية في الخطورة كالجريمة والسرقة والعدوان بشتى اشكاله. وغير ذلك. وفي الماضي كان امر معالجة الاحداث المنحرفين نفسيا وسلوكيا, منوطا بمحاكم خاصة, يطلق عليها اسم (محاكم الأحداث). وقد فشل هذا النهج, ولاسيما في الولايات المتحدة حيث انطلقت صيحات عديدة تنادي بالغائه, واللجوء الى وسائل اخرى ناجعة للعلاج. وقد تبين ان عددا كبيرا من الاطفال كانوا يساقون الى محاكم الاحداث, دون حاجة, وان الاضرار التي كانت تلحق بهم, من جراء ذلك, كثيرا ما فاقت الفوائد والثمار التي قطفت وجنيت. كما ان الحاجة الى التعامل مع أعداد كبيرة من القضايا, ادت الى تحويل هذه المحاكم الى هيئات مكتبية بيروقراطية ذات اجراءات روتينية. فالقضية الواحدة تحال من دائرة الى اخرى, ومن موظف الى ثان, مما يجعل القرارات تتخذ بعد التشاور بين مستويات مختلفة من السلطة, فتتوزع المسئولية, وتزداد الصراعات بين الاقسام المختلفة, فيتأخر البت والعلاج. وبسبب العبء الثقيل الناجم عن الفيض الكبير من المشكلات المعروضة, فان العمليات والاجراءات الروتينية المتعلقة بأعمال التقاضي, كانت تجعل من الصعب او المستحيل توفير اقصى درجة من العدالة للطفل, او وضع مصلحته في اعلى مراتب الاهتمام. وهكذا, فان محاكم الاحداث, لم تعد الوسيلة المناسبة, لاهداء الطفل سواء السبيل, وتجنيبه الانزلاق في مهاوي الزلل ومزالق الضلال. ومن الوسائل الاخرى التي اتبعت في بلدان عديدة لمعالجة انحرافات السلوك (دور رعاية الاحداث). ولكن هذه تحولت مع الزمن الى ما يشبه السجون التي يخرج منها الاحداث, وهم ناقمون على المجتمع, ومتخمون بالكراهية والحقد ضد أهاليهم الذين ادخلوهم الى هذه الدور التي تلحق بسمعاتهم الضرر, وتمس بكراماتهم. وهناك نماذج من مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة كتلك المنتشرة في البلاد الاسكندنافية مثل السويد, استطاعت تحقيق نجاح اكبر, بسبب قدرتها على المساعدة, دون الحاجة الى ادخال الاطفال الى دور الرعاية. وهذه المؤسسات, يمكنها التدخل في الحياة العائلية واحلال سلطتها محل سلطة الوالدين. وهناك من يعارض هذا النهج, ولاسيما ان القرارات الادارية التي تتخذها مؤسسات الرعاية ليست لها صفة الشرعية القانونية, مما يثير كثيرا من الاسئلة بشأن القرارات التي يحق او لا يحق لها اتخاذها. ولكن من جهة ثانية, فان كل ما يتخذ في هذا المجال, هو في صالح الامهات والآباء الذين يعجزون لوحدهم عن اصلاح ابنائهم وبناتهم. ومن النماذج العالمية الاخرى, (مؤسسات تنفيذ القانون). وهي ملحقة بدوائر البوليس التي يمكنها ان تدرس قضايا الجنوح, وتقرر اي المشكلات يجب ان تصبح رسمية, وايها يمكن احالتها الى (مؤسسات تنفيذ القانون) التي تستخدم اساليب علمية واجتماعية لمعالجة مشكلات الاحداث, دون احالتهم الى المحاكم. وهي التي تقرر ما اذا كان على رجال الامن ان يعتقلوا المذنب ام لا. وهذا يشكل بعدا انسانيا هاما, لان توجهات رجال العلم, تختلف عن توجهات رجال الامن. ونذكر ايضا نموذج (المنظمات الاجتماعية الشاملة) التي تقوم بتنفيذ برامج جماعية للتطوير الاجتماعي والاقتصادي, بهدف معالجة اسباب الجنوح, وجذوره العميقة. وترمي هذه البرامج الى القضاء على الفقر وسوء التغذية والمرض والبطالة وازمة السكن. وبالطبع فان تنفيذ هذا يستلزم تخصيص مبالغ مالية كبيرة لا يسهل توفيرها. وربما نستطيع ان نستدل من كل ما سبق, ان المدرسة هي افضل نموذج للتعامل مع انحرافات الاحداث وجنوحهم, لانها تشكل المؤسسة الاجتماعية الرئيسية الثانية في المجتمع, بعد الاسرة, وهي في وضع يمكّنها من تعرف مشكلات الاطفال والشباب وتحديد ابعادها, نظرا لارتباط هؤلاء الدائم بها طوال اليوم, ولسلطتها الشرعية على مصائرهم التعليمية. ويتأكد هذا الدور, من خلال الموقف الاستراتيجي الذي يتحلى به الاساتذة, ويستطيعون بفضله اكتشاف الاسباب الحقيقية للمعاناة التي تسبب الاضطراب النفسي والسلوكي للاحداث. ويستطيع الاساتذة عند اللزوم دعوة هيئة موظفي المدرسة لدراسة حالات الانحراف, واتخاذ ما يلزم بشأنها. فالطالب الذي يخالف النظام مثلا, تتم معاقبته امام اقرانه من الطلاب. واذا لم تجد هذه الوسيلة فتيلا, يجري العقاب امام مجلس للطلاب يمثل المدرسة بأكملها, مما يجعل الجانح يواجه تشهيرا مباشرا به, قد يؤدي الى تطوير النقد الذاتي عنده, والى ردعه عن تجاوز حدود النظام العام. ويمكن للاساتذة ايضا الاستعانة بأولياء الطلاب, للمشاركة في عمليات النصح والارشاد والردع. اما المشكلات الناشئة خارج المدرسة, مثل حوادث السرقة, مثلا, فيمكن ان تناط بلجان مدرسة خاصة تملك صلاحية طرد الطالب او سجنه او اتخاذ اي اجراء آخر بحقه. وهكذا, فان المدرسة تشكل بيئة مناسبة لمعالجة انحرافات السلوك عند التلاميذ, بالاعتماد على مبدأ العقاب والثواب, وبالاستعانة بالمرشدين النفسيين والاجتماعيين, وبالتشاور مع الآباء والأمهات, كلما دعت الحاجة. نخلص من كل ما سبق, الى ان المدرسة العربية, يجب الا تبقى مكانا لتلقين المعلومات وتزويد الطلاب بالمعارف وتمكينهم من نيل الشهادات والمؤهلات, بل ان عليها ان تعد نفسها لمهام وادوار اعظم, واكثر تأثيرا في مستقبل المجتمعات العربية. ومن بين هذه الادوار, بناء شخصية الطالب, وتنمية مثله الاخلاقية, واثارة وعيه, وتحويله من متعلم جامد الى مثقف حقيقي, وكذلك معالجة انحرافاته السلوكية واضطراباته النفسية. فاذا استطاعت مدرستنا العربية ان تضطلع فعلا بهذه الادوار, فإنها تكون قد خطت اشواطا بعيدة باتجاه الاصلاح التعليمي الفعال والتجديد التربوي الحقيقي.