يوجد مفهوم صالح الشعب العام. انه صالح من المفترض ان يعم الشعب كله. ولا نجافي الحقيقة اذا قلنا انه لا يختلف شخصان عاقلان واعيان مخلصان بينهما على اولوية الصالح الذي يعم الشعب بجميع شرائحه وافراده على الصالح الخاص الذي يخص شريحة من شرائح الشعب او فردا من افراده ولا يختلف شخصان عاقلان واعيان مخلصان ايضا على عدد من مكونات ذلك الصالح العام. فبقاء الشعب وسلامته وصحته الجسدية والنفسية وصون كرامته القومية والانسانية وصون ارضه التي هي مسقط رأسه وموطنه وغيرها هي كلها من مكونات الصالح العام. لهذه المكونات وغيرها الاولوية على الصالح الخاص بكل مكوناته من قبيل الاثراء الفردي وترقي الفرد في الوظيفة الحكومية وغير الحكومية. وعلى الرغم من انه توجد مكونات حدودية قد يختلف الناس على جدارتها او عدم جدارتها بان تدرج في اطار الصالح العام فثمة, كما اسلفنا, مكونات للصالح العام لا يختلف اثنان فيما بينهما على جدارتها بان تدرج في اطار هذا الصالح. ومما يسهم في ايجاد مشكلة تقرير استحقاق او عدم استحقاق مكونات تدرج في اطار الصالح العام هو التفسير البشري الذاتي للدلالة المقصودة بمفهوم الصالح العام. ومما يسهم ايضا في ايجاد هذه المشكلة طبيعة بعض مكونات الصالح العام. فبعض تلك المكونات يمكن ان تخضع تعاريفها لتفسيرات مختلفة وقد تكون متضاربة وفقا لادراك المفسرين ومضامين ومتضمنات حالة حياة المجتمع في ظروف تاريخية وسياسية واقتصادية معينة. وعلى الرغم من ذلك يكون من قبيل الشطط في التفسير ان لم يتفق ابناء شعب واحد على مجموعة مكونات للصالح العام, ذكرنا قسما منها في سطور سابقة. ويختلف الناس كلهم بعضهم عن بعض في مدى الاثرة والايثار عندهم, في مدى الانانية والغيرية, في مدى توجههم الخاص او العام. والظروف التاريخية والنفسية والسياسية والاقتصادية والثقافية والقانونية وظروف التنشئة والضغط والسلالة تخضع هي كلها لتأثيرات متبادلة فيما بينها. وهذه الظروف تشكل العوامل التي تسهم اسهاما كبيرا في تحديد مدى الاثرة والايثار لدى الفرد. تحدد هذه العوامل بنية شخصية الفرد وشخصية الجماعة. ويتغير اثر كل عامل من هذه العوامل بتغير هذه الظروف في الاطارين الزماني والمكاني. ويمكن الافتراض بان عامل المعرفة المتأتية من طلب العلم والدراسة له دور اكبر في تحديد اهمية الاثرة والايثار, او الانانية والغيرية, في مجموعة العوامل المذكورة اعلاه. ونكتفي بافتراض ذلك, دون ان نكون موقنين منه, لان اثر تلك العوامل, كما اسلفنا, يتغير بتغير اثر كل عامل في هذه المجموعة من العوامل ذات التأثير المتغير المتبادل. واذا كان افتراضنا هذا صحيحا فانه من المتوقع ان يكون عامل الاثرة في شخصية المثقف, بحكم ثقافته التي تساعده في تطوير القدرة على الوصف والتحليل والتنبؤ والتوصل الى الاستنتاجات بقدر اكبر من انعام النظر والتي تطور لديه ملكة التمييز بين الاشياء والمقارنة, اضعف اثرا او ان يكون عامل الايثار في شخصيته اقوى اثرا. وبالنظر الى اختلاف بنى الفرد والجماعة, سواء كانت حمولة او قبيلة او حكومة او دولة او امبراطورية او منظمة اقليمية او منظمة عالمية, فان فردا يمتلك هذه البنية ذات العوامل المتغيرة الاثر المتبادل يمكن ان يكون اقل او اكثر تهيئة لان ينخرط في خدمة جماعة من هذه الجماعات. ومن هنا وبحكم تلك الظروف, يمكن ان يكون مثقف مستعد للعمل في خدمة الحكومة ومثقف آخر غير مستعد لهذا العمل, ومثقف ثالث يعمل بفتور ومثقف رابع يعمل بتحمس في جهاز الحكومة او في جهاز اداري لاية جماعة اخرى من الجماعات المذكورة. اظن ان هذا العرض يوضح ان اهلية فرد للانخراط في العمل في جهاز اداري لاية جماعة من الجماعات لا تتوقف على بنية العوامل المؤثرة المشكلة لشخصية الفرد فحسب ولكنها تعتمد ايضا على بنية العوامل المشكلة لشخصية الجماعة ايضا. فعلى سبيل المثال فان انخراط مثقف في الوطن العربي في العمل في الجهاز الحكومي لا يتوقف على بنية شخصيته فحسب ولكن ايضا على مدى الصلاحية التي يرى ذلك الجهاز انها متوفرة لدى ذلك المثقف لذلك الانخراط. وبحكم تعددية جوانب شخصية الانسان يقوم هو بادوار مختلفة: على سبيل المثال, دور الابوة والفنان والباحث والطابخ والمفكر والناقد والسفير. وتقع هذه الادوار في دوائر نشاط فكري وعملي مختلفة. فهناك دائرة لدور الامومة ودائرة لدور الابوة ولدور الزراعة ولدور السفارة ولدور الصحافة ولدور كناسة الشوارع ولدور التأليف ودور النقد وهكذا. وحياة المجتمع تجعل من الحتمي قيام علاقات متبادلة بين اصحاب هذه الادوار. وفي الادوار كلها اجزاء يتماثل فيها جزء من دائرة النشاط الفكري او العملي مع جزء من دائرة اخرى. وذلك يعني اشتراك دورين او ادوار على نحو جزئي في مجال نشاط فكري او عملي معين. ويمكن تصور هذا التماثل على نحو تداخل اجزاء الدوائر بعضها في بعض وعدم تطابق اجزاء الدوائر التي لا تتماثل فيها. وتختلف الادوار بعضها عن بعض في حجم الاجزاء المتماثلة, فالجزءان المتماثلان في دوري النقد ووضع الكتب اكبر من الجزئين المتماثلين في دوري النقد والتجارة مثلا. ولاختلاف حجم الاجزاء المتماثلة في دوائر الادوار فكلما ازداد عدد الادوار صغر حجم الجزء الذي تشترك فيه تلك الدوائر. ويكون ذلك الجزء هو الاصغر عند النظر في جميع دوائر الادوار الكثيرة القائمة في حياة المجتمع.