باعلانها في الاسبوع الماضي تفضيل مبادرة (إيفاد) كآلية لمعالجة المشكلة السودانية مع معارضتها المشروع المصري الليبي... واعلانها في الوقت نفسه الانحياز الامريكي الى حركة قرنق دون كل فصائل المعارضة الاخرى, تكون وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت قد خطت حدا فاصلا بين المعارضة الجنوبية والمعارضة الشمالية في اطار استقطاب اقليمي دولي وعلى هذا الاساس تبلور بصورة قاطعه اصطفافان متقابلان: جون قرنق وواشنطن في مواجهة الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني ومعهما القاهرة وطرابلس. والسؤال المطروح هو: اين تتجه الامور بعد ذلك؟ في هذا المكان قلت قبل اكثر من شهر ونصف الشهر ان واشنطن قررت نسف المبادرة المصرية الليبية عن طريق استخدام جون قرنق. والاسبوع المنصرم لم يحمل الينا الاعلان الرسمي الامريكي على لسان اولبرايت في هذا الاتجاه فحسب, بل حمل ايضا ما ترتب عليه في رؤية مستجدة لاحد كبار زعماء المعارضة السودانية: الصادق المهدي. قالت اولبرايت ان الولايات المتحدة تدعم (بشكل حصري) جهود دول إيفاد... ثم واصلت نبرتها الصريحة قائلة: (نحن لا ندعم اي جهود اخرى يقترحها البعض مثل مصر وليبيا) . وفي تعقيبه على هذه التصريحات الامريكية النارية قال الصادق المهدي في محاضرة ألقاها في (معهد الدراسات الافريقية) بجامعة القاهرة: (الاتجاه الامريكي ليس لحل مشكلة الحرب ولكن لتطوير الحرب) . وفي هذا الحكم استنبط ان الادارة الامريكية (تحرق المعارضة) بمواقفها. وليس بوسع احد بعد ذلك ان يغالط, مهما اوتي من جرأة المكابرة وبلاغتها, تهدف الى وضع نهاية للحرب في جنوب السودان وإحلال السلام. على العكس فان الهدف الامريكي هو تأجيج الحرب الى مالا نهاية عن طريق تقديم الدعم العسكري المتصل لقوات قرنق. غير ان الطامة الكبرى هي ان واشنطن لا تريد حتى لوسطاء آخرين ان يبذلوا مسعى على طريق التصالح والوفاق. منذ ثلاثة شهور انطلقت مبادرة من ليبيا تبلورت بصورة كاملة بعد ان انضمت اليها مصر. وبعد ان جرى التوقيع على اعلان مبدئي للشروع في اتصالات بين الحكومة السودانية والمعارضة تفضي الى(مؤتمر للحوار الوطني) برعاية الوسطاء المصريين والليبيين صادق عليه قادة فصائل المعارضة قاطبة بمن فيهم جون قرنق, انطلقت الجهود على طريق الترتيبات العملية. وعلى حين فجأة... وقد قطعت هذه الترتيبات شوطا مقدرا طلع قرنق ببيان يرفض فيه المشروع المصري الليبي... ثم اعقبه بتصريح في القاهرة اقترح فيه (دمج) المشروع مع مبادرة (إيفاد) . كانت تلك طلائع علامات دخول واشنطن على الخط عن طريق قرنق.. وبالتالي كانت إيذانا بانحراف مسار المبادرة المصرية الليبية في اتجاه قد يقود الى طريق مسدود. اجل لقد اجتمع قادة (التجمع) المعارض اخيرا واتفقوا على اقتراح الدمج. وحسنا فعلوا. فليس بين (إيفاد) والمشروع المصري الليبي تناقض, بل هناك في الحقيقة تكامل. لكن بازاء العزم الامريكي المعلن على معارضة المبادرة المصرية الليبية يصبح الحديث عن الدمج نظريا تجريديا. فأغلب الظن ان واشنطن سوف تعمد عن طريق (اقتراحات) قرنق وحيله الى اجهاض وتدمير المشروع المصري الليبي قبل ان يواصل مسيرته صوب آفاق الوفاق. اكثر من ذلك فأننا قد نفاجأ غدا بأن اريتريا او يوغندا ـ وهما عضوا منظمة إيفاد الضالعان مع امريكا وقرنق في اجندتهما المشتركة ـ تعلنان رفض مشاركة مصر وليبيا باعتبار انهما ليستا عضوين في (إيفاد) ! ويبقى السؤال مفتوحا: هل تمضي كل من القاهرة وطرابلس في مشروعهما بتأييد من المهدي والميرغني وتخلف قرنق ومعارضة واشنطن؟