خط مباشر : الأوثان! بقلم أحمد عمرابي

اطلق العنان لخيالك على الآخر وتصور شخصا غير مسيحي يقرر ان يحج إلى (كنيسة القيامة) في فلسطين طلبا للتبرك!إذا تعذر على ذهنك بلورة هذه الصورة الممعنة في الخيال فتأمل هذا السؤال: كيف يقنع رجل أمريكي صادف انه مدير للاستخبارات المركزية الأمريكية نفسه بالحج إلى(حائط المبكى)في القدس مرتديا القلنسوة اليهودية ذات الرمز الديني بينما هو مسيحي بروتستانتي؟ أقصى ما يمكن ان نتوصل إليه في اجابة عن هذا السؤال هو ان (جورج تنيت) الرجل الذي يترأس أكبر جهاز أمريكي للعمل الاستخباري الخارجي ربما لم يرد أكثر من مجاملة مضيفيه الاسرائيليين, ولكن هل يعقل ان يخضع شخص عقيدته الدينية لاعتبارات المجاملة مهما كانت تلك الاعتبارات قوية؟ الاجابة عن السؤال الأخير يمكن ان تكون لدى بعض الناس بنعم, ففي هذا العصر المتقدم جدا بمقاييس التطور المادي الحضاري للبشر ارتد بعض الناس إلى عصر الأوثان, وقد يبدو هذا غريبا إذا كنا لا نزال نتصور ان الأوثان ليست سوى تماثيل حجرية, ولكن إذا تفكرنا مليا فإننا سنكتشف ان لكل عصر أوثانه وفقا لمدى التقدم أو التأخر للعصر من المنظور المادي. من أكبر أوثان هذا العصر المال والمنصب السلطوي, وجورج تنيت فيما يبدو هو من الذين قرروا ان يتفرغوا لعبادة المنصب السلطوي , وفي سبيل هذه (العبادة) يضحي بما عداه من عقيدة حتى لو كانت من العقائد السماوية. غير ان تنيت ليس متفردا بهذه العبادة في المجتمع الأمريكي على المستويات العليا التي يشتد فيها التنافس على مناصب السلطة, فنحن بازاء ظاهرة متنامية في الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عند منتصف أربعينيات هذا القرن. من منصب رئيس الجمهورية إلى مناصب عضوية الكونجرس عبوراً بمناصب حكام الولايات وقضاة المحكمة العليا ومديري الأجهزة الأمنية وحتى مديري الجامعات الكبيرة وعمداء الكليات تجري تنافسات بلا نهاية يكون فيها كل متنافس على استعداد كامل للتضحية بأي شيء في سبيل الحصول على المنصب هنا ندرك لماذا أقنع جورج تنيت المسيحي البروتستانتي نفسه بالوقوف إلى (حائط المبكى) وكأنه يهودي, فهو يوقن انه لم يكن ليتاح له ان يحقق طموحه الذاتي بالوصول إلى منصب مفتاحي في مستوى (مدير عام وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية) لولا انه برهن بالمسلك العملي لمدى عمر ما يثبت ولاءه للحركة الصهيونية داخل الولايات المتحدة. النفوذ اليهودي في أمريكا لا يعادله أي نفوذ في أي مكان آخر, وربما ليس له مثيل في التاريخ, وذروة هذا النفوذ تتمثل في السيطرة اليهودية على النظام المصرفي, فعن طريق البنوك تنتشر السيطرة المالية اليهودية على كافة قطاعات الاقتصاد الوطني من صناعات وخدمات من قطاع صناعة المعلبات إلى قطاع صناعة الطائرات والصواريخ عبوراً بملكية الشبكات التلفزيونية ودور النشر, وعندما يطمح أمريكي إلى ترشيح نفسه لعضوية الكونجرس أو يتطلع إلى منصب مدير جامعة مثلا فإنه يدرك سلفا ان وراء كل انتخابات, ووراء كل قرار تقف (ايباك) التنظيم اليهودي الأمريكي الأعظم. وعندما يصل كل مرشح في انتخابات الرئاسة الأمريكية إلى ختام حملته الانتخابية فإنه يعلم سلفا ان المشهد الختامي هو الفيصل النهائي في المنافسة, والمشهد الختامي هو ان يمثل المرشحان الرئيسيان (بيل كلينتون وجورج بوش مثلا عام 1992) أمام اجتماع لقادة المنظمات اليهودية الأمريكية ليتباريا, ومحور التباري هو أي المرشحين أشد حرصا واقتداراً من الآخر على المحافظة على أمن الدولة الاسرائيلية. والمعادلة واضحة: ان يكون المنصب السلطوي معبودا وتقدم إليه القرابين.. ووسيلة العبادة هي: التزلف إلى شيخ الطريقة اليهودي!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات