في قلب(أكتوبر) من كل عام أعود كالسفينة المتعبة لأريح جبيني على صدر هذا الوطن.. وهو يوم واحد في السنة.. يوم ولدت .. وتنفست واكتشفت أن غريزة الصراخ هي أقوى غرائزي.. وأن لعبة الحياة أكثر إثارة من لعبة الطائرات الورقية التي كنا نطلقها في السماء في الإسكندرية .. وأن لعبة(العسكر والحرامية)هي لعبة حقيقية في هذا اليوم أضع نفسي في خيمة التأمل المنصوبة بعيدا .. وحيدا في صحراء النفس الإنسانية .. أراجع الحروق التي أصابتني وأنا أنكش بيدي في ضوء النجوم وفي عش (الدبابير) .. أحدد موقعي على خريطة المغامرة في بحار هائجة تمتلئ بالقراصنة وأسماك القرش الغاضبة.. أستريح من الدوار الذي سببه البحث عن الحقيقة في وطن يكره الحقيقة .. اخرج بلادي من جفون الكلمات التي أكتبها.. فأجد دائما نقطة حبر تأخذ شكل دمعة العين. قلب (أكتوبر) هذا العام جاء رقم الخمسين.. (50) سنة.. رقم يستحق التوقف.. نكتبه بالأرقام والأوهام .. نكتبه بالأحاسيس وفي عيون الناس.. نعود به إلى الوراء في لحظة صفاء.. لنفتش في المسافة المشتركة بين الشقاء والهناء. في طفولتي عرفت مصر من أقصاها إلى أقصاها.. من الإسكندرية إلى أسوان .. من الإسماعيلية إلى السلوم.. كنا ننتقل وراء عمل أب لا يعرف المساومة والحلول الوسط.. فكان يعاقب على عناده في الحق بالتشرد والنفي في أماكن الوطن النائية.. لكنه لم يكن يشعر بالغربة.. ولا نحن أيضا .. فقد عرفت مبكرا أصدقاء في لون القهوة.. في (الحكروب) التي كانت أفقر منطقة في أسوان .. وأصدقاء ( برمائيين) على شواطئ الرمل والبحر كثيرا ما كنا نتعلم معا كيف نستدعي جنيات المغارات المسحورة .. ونتسامر معها .. وأصدقاء كانوا لا يجرون وراء عربات الرش إنما عربات بيع الكتب القديمة التي كان يجرها في شوارع (العباسية) في القاهرة .. شخص يقرأ ولا يكتب اسمه ( رفاعي) . كان أبي قادرا على تحويل القسوة إلى نعمة.. واللعنة إلى رحمة.. وقد تعلمت منه كيف أواجه القبح بالمعرفة.. وكيف يعرف الإنسان أبعاد جسده من دخول السكاكين في لحمه.. وكيف يتعلم من المواجهة أكثر مما يتعلم من المجاملة.. وكيف تهز كلمة حق واحدة جبالا من الباطل.. فكلمة الحق تحدث (خلخلة) في تماسك الباطل وتكسر قشرته وتفتتها.. ولأن الأشياء المكسورة تدافع عن نفسها بالصراخ والصخب فإ ن المعركة مع الباطل هي معركة ليست سهلة .. ولا هي نزهة في يوم ربيعي مشمس.. هي معركة مستمرة تنتهي بنهاية الحياة .. ولكن على كل جيل أن يسلم السلاح الأبيض الذي يقاتل به لمن يأتي بعده .. لتستمر المواجهة.. الحق وهو الطرف الحاضر الغائب في هذه المعركة ليس ابن السهولة ولا المصادفة .. وليس من الممكن أن تفوز به في سحب لأوراق الحظ واليانصيب. كان التعليم في بيتنا قيمة.. والمساواة بين البنت والولد عادة يومية.. ولم يكن الأب من طراز (سي السيد) .. ولم يغضب يوم كتبت منشورا علقته على باب حجرته نطالبه فيه أنا واخوتي بزيادة ( المصروف) لإضافة بند السينما لبرنامج نهاية إجازة الأسبوع .. لكنه غضب من ناظر المدرسة الإعدادية الذي ضربني بمسطرة حادة على أصابعي عندما انتقدنا في مجلة حائط هوايته المزمنة في الأذية دون مبرر.. هل طفولتنا تطاردنا حتى آخر العمر.. تحكم علينا وتحاكمنا حتى ونحن نصف أنفسنا بالخبرة وندعي الحكمة؟ كانت أمي لا تعرف الشكوى من ضغوط الحياة.. تصلي .. وتبتسم .. وتجيد التصرف.. هل منحها الله إلينا لنعرف كيف لا نمد رغباتنا إلى أشياء لا نقدر على امتلاكها؟ .. هل كانت التعويذة التي علمتنا كيف نشعر أن قيمة الإنسان فيما يعرف .. لا فيما يملك؟ .. فيما ينفع الناس لا فيما يتفاخر به بينهم؟ .. ولم أفهم فيما بعد .. لماذا طلبت مني أن أحب جمال عبد الناصر وأؤمن به كما أشاء.. ولكن دون أن أسلم له عقلي وإرادتي.. لا إنسان يا ولدي لا يخطئ .. وعندما لا تواجه الإنسان مهما كان فيما يفعل فلا ذنب عليه إذا حولنا إلى كيانات ممسوخة.. لا جناح عليه إذا ما جعلنا نأخذ العزاء في أنفسنا. وجدتني أمي أستهلك كراسات أكثر من أخوتي.. كنت ألخص فيها ما أقرأ وأكتب فيها خواطري ويومياتي وقصصا خرافية لأبطال لا وجود لهم.. فلم تغضب ولم تتهمني بأنني (آكل الورق) .. كما كانت تردد الأمهات عادة.. ووجدتها تدس في يدي قروشا فوق مصروفي بعد كل رحلة أمشي فيها سيرا على الأقدام من بيتنا في العباسية إلى العتبة حيث سور الازبكية وأعود منها مفلسا حاملا روايات سبق أن قرأها غيري ليوسف إدريس ونجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وإسكندر دوماس وتشارلس ديكنز.. أما أول رواية جديدة اشتريتها فكانت (المقامر) للأديب الروسي الذي وقعت في سحره.. فيدور دوستويفيسكي .. فقد كان ثمنه 3 قروش بعد أن قرر السوفييت أن الطريق إلى عقل المثقفين المصريين يبدأ بالكتاب الرخيص. وعندما وجدتني ذات مرة أحمل كتاب (إيران فوق بركان) لمحمد حسنين هيكل .. وضعت يدها على قلبها .. قالت لأبي: لقد عاد الولد إلى جنونه الذي شفاه الله منه.. كانت تقصد بهذ ا الجنون (الذي شفاني الله منه) رغبتي التي لا تخمد في اكتشاف الأشياء بنفسي وأنا طفل صغير.. فقد وضعت يدي في الكهرباء لأعرف كيف يكون الموت بالارتعاش .. وقفزت من سور مرتفع لأشعر بقوة ارتطام الجسم البشري بجسم صلب.. كانت السياسة هي الخوف الذي تكون تحت جلد الطبقة الوسطى بعد ثورة يوليو.. والوحش الذي يخطف أجمل الزهور في الفجر.. ليحملها وراء الشمس.. ويفترسها بعيدا في الصحراء الموحشة.. كانت العيون لا الشفاه هي التي تخبرنا باختفاء أحد الجيران وهو يحفظ دروسه الجامعية .. فعرفت مبكرا الفرق بين الشيوعي والاخواني.. لكني عرفت مبكرا أيضا معنى الكرامة الوطنية في وقت كانت القاهرة فيه العاصمة الثالثة التي ينتظر العالم رد فعلها على الأحداث بعد موسكو وواشنطن. كانت مصر في ذلك الوقت هي أرض الانفعال والتوتر.. ولا يمكن لأي إنسان يعيش فيها أو يمر بها أن يبقى محايدا .. الحياد هو الموت أو الانسحاب.. ومن ثم كان لابد من البشر أن يكونوا طرفا في اللعبة.. لعبة السياسة المثيرة.. فكان أن وجدت نفسي متحمسا لدخول منظمة الشباب.. ورحنا في معسكرات حلوان في القاهرة وأبي قير في الإسكندرية ندرس حتمية التحول الاشتراكي.. وفيما بعد وجدت الذين كانوا يصرون على هذه الحتمية هم أنفسهم الذين ينفذون سياسة الخصخصة بعد أن أصبحوا وزراء وفوق الوزراء.. فالبقاء في مصر للبيروقراطية . والخلود لها. . لا للاشتراكية .. ولا للرأسمالية. ورحنا بحماس الحتمية الاشتراكية نكنس الشوارع وننظم الأسواق الفقيرة ونساعد الناس في حل متاعبهم.. لا كتبنا تقارير في أقرب البشر إلينا .. ولا كانت المنظمة جهازا من المخبرين ينافس جهاز مباحث أمن الدولة كما قيل فيما بعد.. كنا آخر جيل تعلم السياسة فوق الأرض .. وبعد أن أصبحت السياسة جريمة علنية.. بدأ الذين يهوونها من الشباب في النزول تحت الأرض .. وعندما كانوا يصعدون إلى السطح مرة أخرى كان بصحبتهم (وحش) مسكون بالعنف والتهور اسمه الإرهاب . لم أكن احلم بالكتابة أو الصحافة.. كنت أحلم بالسياسة.. كانت الطرق مفتوحة أمام الشباب لأن يحكموا.. ويديروا .. ويوجهوا.. ويغيروا.. وهو أمر متوقع.. فالذين جاءوا للسلطة منذ يوليو 1952 هم في غالبيتهم من نفس الطبقة التي ننتمي إليها .. ويحملون نفس الأحلام التي نحلم بها .. فلماذا لا نشاركهم في السلطة والحكم؟ .. إن هذا الحلم كان متاحا في ذلك الوقت.. وقد كانت الخطوة الأولى في الطريق إليه هي دخول كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي أصبحت بديلا لكلية الحقوق في تخريج الوزراء الذين كانت صورتهم في أذهاننا صورة خرافية خيالية عن كل ما وجدناه فيما بعد. في صيف 1967 داهمني الحزن للمرة الأولى .. لم أكن قد التقيت بطائر الحزن من قبل.. ولا سمحت له أن ينقر رأسي أو يعشعش في قلبي أو يشاركني حجرتي وفراشي.. لكن الهزيمة التي كانت زلزالا تحتنا وصاعقة فوقنا وعاصفة حولنا في وقت واحد سمحت للحزن أن يولد.. وسمحت للون الأصفر لون الشحوب أن يسيطر .. ووجدنا أنفسنا في مقبرة من الملح والكوابيس. كنا على عتبة الرجولة والجامعة.. كنا على موعد مع القدر كما كانوا يصفون جيلنا .. فإذا بنا على موعد مع النفس المكسورة .. غير القابلة للجبيرة.. والقلب الممزق .. غير القابل للترقيع.. ووجدنا كل الكبار حولنا في حالة مرض وهذيان.. وراح الجميع يجلد نفسه علنا.. ويمزق جلده بقطع الزجاج الحاد.. ولم يجد الصغار سوى قصائد الشعر المعارضة يضع همه فيها.. كان خروجنا من هذا الحصار خروجا شعريا.. فرحنا ننسخ قصيدة نزار قباني (هوامش على دفتر النكسة) ونوزعها سرا.. كانت القصيدة كما قال صاحبها فيما بعد .. تحاول أن تصرخ في وجه القبائل العربية التي تذبح بعضها وتشرب دم بعضها.. وتحاول أن تقتل الوحش الذي استوطن كل المدن العربية وقص أنيابه قبل أن يفترس كل شيء. والغريب أن الشرطة السرية كانت تقبض على كل طالب في الجامعة بين كتبه وكشاكيل محاضراته نسخة من القصيدة.. وكانت هناك قضية أمن دولة جاهزة له.. وهو ما جعلنا نحفظ القصيدة ولا نكتبها.. وكان واضحا أن أدوات النظام تتحرك في اتجاه وجمال عبد الناصر يتحرك في اتجاه آخر.. وهو خلل بكل المقاييس.. فقد صدر قرار بمنع نزار قباني وقصائده وأشعاره ودواوينه من دخول مصر.. وأرسل الشاعر الذي حوله الوطن من شاعر الحنين إلى شاعر يكتب بالسكين إلى جمال عبد الناصر رسالة يشرح له فيها موقفه حملها محمد حسنين هيكل .. فكان أن أفرجوا عن شعره .. وفتحوا له أبواب مصر .. وكسر جمال عبد الناصر بموقفه الكبير جدار الخوف القائم بين الإبداع والسلطة .. وكشف برؤيته الشاملة أن الفن والثورة توأم ملتصق وحصانان يجران عربة واحدة وأن كل محاولة لفصلهما سيحطم العربة ويقتل الحصانين.. لكن .. رغم ذلك كله .. ظلت القصيدة من محظورات أمن الدولة. شعرت بعد يونيو 1967 بأننا كنا قططا أليفة.. أو كنا من فصيلة الدواجن.. أو كنا في غيبوبة من السحر والشعوذة في مغارات يسكنها الدراويش والخفافيش.. وجاءت اللطمة الأشد .. مظاهرات الجامعة في فبراير 1968 .. كانت الأحكام الهزيلة التي صدرت ضد المتسببين في الهزيمة هي الشرارة .. لقد تجاهل النظام السياسي مشاعر الناس .. وأخرجهم من حساباته.. فكان من الطبيعي أن تحدث الانفجارات والمظاهرات.. وهي أول احتجاج شعبي في الشارع ضد جمال عبد الناصر منذ يوليو 1952 وهو حدث تاريخي بكل المقاييس.. لكن النظام لم يتعلم وراح يستوعب الغضب بمسكنات ظاهرية.. ثبت بعد أنها وهمية. في ذلك الوقت عرفت قيمة الحرية.. عرفت في الحياة مذهبا سياسيا أهم هو الليبرالية .. فرحت أفتش عنها في الكتب والسفر والفن والأدب.. وآمنت بان من الصعب على من يؤمن بالحرية أن يسلم إرادته دون قيد أو شرط لأي نظام سياسي مهما كانت الشعارات براقة.. والفاترينات لامعة.. وعناوين الصحف صاخبة.. ونشرات الأخبار في التلفزيون مطمئنة.. لا أحد يؤمن بالحرية يختار الحكومة. حتى ولو كان في قمتها كما كنا نحلم.. بل عليه أن يختار وسيلة مباشرة للتعبير عن الناس.. تكسر الجلد السميك الذي يفرضه أصحاب المصالح ليفصل بين الحاكم والمحكومين.. بين السلطة والشعب.. وهكذا شعرت أن الكتابة تمنح جواز المرور إلى هذا العالم .. لقد هجرت السياسة وبدأت أغازل الصحافة. لكن .. هذا الانقلاب الحاد في حياتي جرى عبر تحول بطيء عشته في رحلة إلى أوروبا في صيف 1968 بحثا عن عالم آخر.. وتصورات أخرى للحياة.. رأيت لندن القادرة على أن تعبر عن غضبها من السلطة علنا في الشوارع والحدائق.. ورأيت وارسو التي لم تجد سوى فن الباليه الناعم لتعبر به رمزا عن قسوة الحكم البوليسي.. ورأيت باريس وهي تحتضن كل هارب من مطاردة الكلاب البوليسية في بلاده.. وعندما عدت إلى القاهرة كان الأمر قد حسم.. لا للحكومة .. نعم للحرية.. لا للسياسة .. نعم للصحافة.. للكتابة. ورحت أفتش عن مكان أعبر فيه عما في نفسي وأعبر فيه عن جيلي الذي خرج من أفران النار التي أشعلتها الهزيمة.. ونشرت أول مقال لي في 15 أكتوبر 1969 .. وهو يوم ميلادي.. فكانت الولادة الثانية.. وهي قصة أخرى.