مع الناس : بقلم عبدالحميد أحمد

الشجاعة عند أمريكا هي صفة كل من يمد يده الى اسرائيل, فيقبل بمصافحة مسئولين فيها والحديث معهم, والأشجع هو من يزيد فيقيم علاقات اقتصادية وتجارية ثم يتوجها بعلاقات دبلوماسية كاملة, على نحو ما فعلت مؤخراً موريتانيا, فاستحقت وصف أمريكا لها بالشجاعة, كما استحق الوصف نفسه عرب آخرون قبل موريتانيا وكما قد يستحقه عرب لاحقون. والرأي طبعا قبل شجاعة الشجعان, الا أن العرب لم يعد لديهم رأي, بدليل ان دولة عربية تطبع كاملا العلاقات مع اسرائيل, ومن دون أن تكون من دول المفاوضات, فلا يجرؤ أحد على لومها, أو اتخاذ موقف منها أو مقاطعتها, ليس لأن زمن اللوم أو العتاب أو المقاطعة أو حتى الشجب والاستنكار قد ولى الى غير رجعة, بل لأن الرأي نفسه, فيما لو كان هناك من يستطيع ان يتخذ رأيا, لم يعد سوى رأي أمريكا وما تريد أمريكا, فالبديل عنه اذن هو الصمت, فهذا من ذهب في زمن التنك والصفيح والتبن ونشارة الخشب. وما دامت أمريكا هي التي تمنح شهادات الشجاعة وشهادات حسن السير والسلوك السياسي حسب مدى قربنا من اسرائيل أو بعدنا, فان الذين لا يمدون يدهم إلى اسرائيل إما انهم ارهابيون متوحشون وإما انهم مترددون محافظون لا يستحقون وصف الشجاعة, خاصة ان اسرائيل هذه واحة ديمقراطية وانسانية يانعة وسط صحراء العرب وهجيرهم, ما يجعل من السلام معها انتصاراً للانسانية والديمقراطية, وخلاف ذلك هو الوحشية والجبن, فكيف ترضى بعض الدول كموريتانيا, ان تكون متوحشة في نظر أمريكا؟ ولن نسأل اليوم أو غداً عن الاسباب التي تدفع بلداً نائياً وبعيداً عن اسرائيل آلاف الكيلومترات لكي يلهث الى مصافحة اسرائيل واقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها, فالمبررات جاهزة, تبدأ من ان العلاقات تدفع بالسلام الى الامام, الى حاجة موريتانيا الى المساعدات المالية والاقتصادية وغيرها, ذلك لأن الاسباب اكثر من ذلك بكثير, بدأت تحديداً من اليوم الذي قرر فيه العرب ان يعمل كل منهم بمفرده, وأن تتحول كل دولة الى حارة مستقلة افضل وصف لها حارة كل من ايدو إله. اما موريتانيا نفسها فلم ترتكب جناية باقامة علاقات مع اسرائيل, فالحديث عن هذه العلاقات بدأ مبكراً فعلاً منذ سنوات بالتعاون الاقتصادي وتبادل الزيارات بما في ذلك زيارات صحفيين وبالغزل السري والمعلن أحياناً, ومر كل ذلك بصمت شديد ومن دون ادنى موقف عربي, لكي يتوج اليوم بعلاقات علنية, وفي غياب الموقف العربي ايضا, فهذا غير موجود, واذا كان موجوداً فهو أضعف من أن يمنع بلداً كموريتانيا من اقامة علاقات مع اسرائيل, لأنه كالميت الضرب فيه حرام. وهناك اليوم تسريبات عن اتصالات وعلاقات في الطريق مع دول اخرى أغلبها نفى نفياً قاطعاً هذه التسريبات, فيما اتصالات أخرى لا يتم نفيها كحالة الجزائر التي صافح رئيسها بوتفليقة ايهود باراك في جنازة الملك الحسن, تذكرنا جميعاً بالحالة الموريتانية نفسها التي بدأت هي ايضا بتسريبات ثم بزيارات سرية وصولا الى علاقات علنية تنطلق من واشنطن, فنعرف منها ان الحبل على الجرار, واننا نسير في طريق الشجعان نفسه. وهكذا فالكلام عن التطبيع أولا أم السلام لا جدوى منه, واشتراطنا اقامة السلام العادل والكامل والشامل والصحي والخالي من الدسم والكوليسترول قوي المفعول اشتراط لا قيمة له لأنه سقط فعلاً من أرض الواقع, فالسلام المنتظر وحده هو ما تعطينا اسرائيل وأمريكا, ما يصح معه ان نسرع الخطى لكي ننال شهادة الشجاعة من معهد واشنطن والممهورة بتوقيع سيد البيت الابيض!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات