تبادل الأقنعة ( الايديولوجية) بين اليمين واليسار!، بقلم طلعت شاهين يعتقد البعض أنه لم تعد التوجهات الايديولوجية شيئا أساسيا في الممارسة السياسية في الدول التي تأخذ بالنظام الديمقراطي الغربي, سقطت كل الشعارات وسقطت معها الأقنعة, هذا القول يثبت الواقع عدم صحته خلال الممارسة اليومية في العمل السياسي في تلك الأنظمة, على الرغم من سقوط جدار الايديولوجية, بل أصبح التعلق بايديولوجية ما اصبح هاجسا لكل الاتجاهات التي ترغب

في الوصول إلى كرسي السلطة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مع فارق واحد بسيط, أن الممارسة أصبحت تركز اليوم على شعارات تلك الايديولوجيات دون مضمونها, أي تستخدمها كشعار يخفي تحته الممارسة المعاكسة تماما لتلك الشعارات, لأن المهم في هذه المسألة هو الشعار وليس الممارسة. ولو نظرنا إلى الخريطة السياسية للأحزاب السياسية الحاكمة في أوروبا لوجدنا العجب العجاب, في بريطانيا يحكم حزب العمالي تاتشر) التي تعتبر من أكثر زعماء اليمين البريطاني تطرفا وعداء لليسار وأيديولوجيته, ورئيس الوزراء توني بلير لا يعترف أنه يحكم ببرنامج اقتصادي يميني بل يحاول أن يجمله ويضع عليه شعاره المحبب (الطريق الثالث) والأمر نفسه في ألمانيا التي يحكم فيها الحزب الاشتراكي ببرنامج اقتصادي واجتماعي يفوق في تجاهله للطبقات العريضة برنامج اليمين الذي حكم من خلاله المستشار السابق هيلموت كول, وعلى الرغم من ذلك يؤكد شرويدر أنه اشتراكي يساري وأنه مع الطبقة العاملة, ولا يرى أي خديعة في إعلانه هذا رغم ان برنامجه الاجتماعي والاقتصادي يتجاهل تلك الطبقة العاملة التي عاقبته بسحب ثقتها فيه خلال عمليتي اقتراع محليتين خلال أسبوع واحد. ولأن اليمين لا يكسب كثيرا خلال الانتخابات العامة في أي دولة أوروبية, وإذا فاز كانت أغلبيته بسيطة تجعله في حاجة إلى تحالفات مرهقة مع جماعات قد تكون على نقيض سياساته, وذلك نظرا لوجود طبقة متوسطة عريضة تحاول أن تحافظ على مصالحها, فإن الأحزاب اليمينية دأبت دائما على تجميل برامجها المحافظة من خلال تقديمها على (صحائف براقة) تلونها شعارات ليست من اليمين ولا علاقة لها باليمين, بل في أحيان كثيرة يحاول الحزب اليميني الهروب من الهزيمة بإنكار انتمائه إلى الأفكار اليمينية بحثا عن الطبقة العريضة التي يمكنها منحه أصواتها ليصل إلى كرسي السلطة, وحينها لن يكون عسيرا تطبيق الأفكار والبرامج الحقيقية التي يعتنقها زعماء هذا اليمين, في انتظار أن تحين انتخابات جديدة يمكن إدخال تعديلات سطحية أو عمليات تجميل تخلع عنه قناعه السابق إيمانا بأن فترة خمس أو ست سنوات كافية لنسيان ما حدث خلال الانتخابات السابقة. هذا هو بالضبط ما حدث في اسبانيا خلال حياتها الديمقراطية القصيرة التي لا تمتد لأكثر من عشرين عاما, تبادل خلالها على كرسي الحكم الوسط حكومات أدولفو سواريث وكالفو سوتيلو )ويسار الوسط( الحزب الاشتراكي المنتمي إلى الاشتراكية الديمقراطية )واليمين( الحزب الشعبي اليميني , وكانت حكومات الوسط تحكم من خلال أقلية برلمانية, أي أنها لم تستطع أن تنتزع من الشعب تفويضا كاملا بالسلطة مما أدى إلى أن تمر تلك الحكومات على كرسي الحكم دون أن تقدم تغييرا حقيقيا في تشكل النظام الأساسي للدولة اسبانية التي خضعت لدكتاتورية طالت إلى ما يقرب من أربعين عاما أما حكومات (يسار الوسط) المتعاقبة برئاسة الاشتراكي الديمقراطي فيليبي جونثالث فإنها استطاعت أن تحكم لفترتين من خلال أغلبية مطلقة, ثم كانت ولايتها الثالثة بأغلبية بسيطة عقابا لها على توجهاتها الاقتصادية الليبرالية التي لا تختلف عن أي توجه لحكومة يمينية, ولأن تلك الحكومة لم تصلح ما أفسدته خلال ولايتين بالأغلبية المطلقة أو تفهم السبب الذي جعل الشعب يحجب عنها الأغلبية المطلقة, فقد عاقبها بسحب ثقته منها ومنحها جزئيا ومن خلال أغلبية بسيطة للحزب الشعبي اليميني لعل الاشتراكيين يقرؤون الواقع الاجتماعي جيدا ويصلحون من شأنهم استعدادا للعودة من جديد إلى كرسي السلطة. تنبهت حكومة الحزب الشعبي اليميني برئاسة خوسيه ماريا أزنار إلى هذه القاعدة البسيطة, ومن خلال تجاربها خلال السنوات الثلاث الماضية في الحكم فقررت أن تخلع عنها قناع اليمين الذي لا يزال يحمل في تاريخه دماء الملايين الذين زهقت أرواحهم على أيدي اليمين خلال الحرب الأهلية وما قبلها وما بعدها, فقرر أن يعلن عن ارتداء قناع (الوسط) لعل الطبقة الوسطى العريضة تمنحه ثقتها فيعود إلى السلطة من جديد بأغلبية مطلقة أو على الأقل مريحة تمكنه من تمرير برنامجه الحقيقي الذي لم يستطع تنفيذه حتى الآن لأنه يحكم بتحالف مع أقليات أخرى لها مصالحها الخاصة بعد الإعلان عن ارتداء قناع الوسط وعمليات التجميل المطلوبة لذلك ومنها إقصاء نائب رئيس الوزراء اليميني المتطرف ( ألفاريث كاسكوس) عن ممارسة أي نشاط علني حتى لا يفسد ( شعار الوسط) , انتظر احصائيات استطلاع الرأي العام ليتبين مدى انعكاس شعار الوسط على شعبيته, ولكن يبدو أن الأرقام جاءت مخيبة لآماله حتى الآن, ولم يقتنع أحد بعد بمسألة تخلي حزب يميني عن ايديولوجيته لاعتناق ايديولوجية أخرى ما بين يوم وليلة ودون مبرر واضح أو حتى مقنع يبرر هذا التغيير الجذري في الفكر السياسي. ولما جاءت الأرقام مخيبة للآمال قرر سكرتير عام الحزب اليميني التخلي عن شعار الوسط لأنه لم يقدم لحزبه الشكل المطلوب ليفوز في الانتخابات المتوقع أن تجري خلال ربيع عام 2000 , وأعلن فجأة عن اعتناقه لشاعر (التقدمية) وقال ان حزبه أكثر تقدمية من أحزاب اليسار, بل دخل رئيس الحزب خوسيه ماريا أزنار (المزايدة) على سكرتيره العام وتحدى ان تقدم الأحزاب اليسارية أفكارا أكثر تقدمية من أفكار حزبه التي سيعلن عنها خلال برنامجه الانتخابي القادم وهكذا وجد الشعب الاسباني نفسه فجأة ما بين ليلة وضحاها أمام حزب (يميني تقدمي) وهو شعار لم يفهمه أحد حتى الآن, لأن كلمة (تقدمي) ارتبطت خلال عقود طويلة باليسار, تماما كما أن وصف (محافظ) مرتبط باليمين السياسي منذ أن خرجت هذه الأوصاف إلى الدنيا في عالم السياسة. ولم يحاول أي أيديولوجي من الحزب اليميني الاسباني أن يفسر معنى شعار (اليمين التقدمي) , أو يحاول تقديم تفسير علمي لهذين الوصفين وكيف أنهما يلتقيان في شعار واحد, وكأن الإعلان عن الشعار في حد ذاته كافيا لإقناع الجماهير للخروج في مظاهرات تأييد لحزب الحكومة اليميني, وإعلان تأييدها لشعار (التقدمية) المفاجئة التي اعتنقها رئيس الحزب وسكرتيره العام. يبدو أن رئيس الحزب وسكرتيره اقتنعا بأن الشعار في حد ذاته كاف لجمع الجماهير من حول حزبهما, وبدآ في الحديث عن حكومتهما القادمة وكأن الانتخابات المنتظر حدوثها في ربيع عام 2000 مجرد تحصيل حاصل. لكنهما لم يحاولا قراءة الأحداث السياسية في أوروبا, وأن يستفيدا مما يحدث للاشتراكيين الألمان بفعل تطبيقهم لبرامج يمينية تحت شعارات اشتراكية تقدمية, أو حتى ما حدث ويحدث بعد إعلان توني بلير عن (الطريق الثالث) , حتى ينتبها إلى أن الشعار بلا ممارسة لا قيمة له, فقبل أن يأخذ شعار (التقدمية) مكانه إلى جوار الشعارات الأخرى التي يرفعانها على مبنى حزبهما, وقف ممثلو الحزب الشعبي في البرلمان ليصوتوا وحدهم ضد إدانة (الانقلاب العسكري) الذي قاده الجنرال فرانكو قبل ستين عاما ضد الحكومة الجمهورية التي انتخبها الشعب الاسباني ديمقراطيا, وما نتج عن هذا الانقلاب حرب أهلية مدمرة راح ضحيتها الملايين ما بين قتيل وجريح ولاجئ وسجين, وعانت البلاد من حكم دكتاتوري استمر ما يقرب من أربعين عاما. الحزب الشعبي اليميني وريث نظام الجنرال فرانكو اليميني لا يستطيع أن يدين الجنرال, لأنه لو فعلها لأدان نفسه وأفكاره, وهكذا وجد الحزب اليميني نفسه محاصرا بوجهه الحقيقي, وأن قناع (الوسط) أو (التقدمية) يمكنه أن يخفي الوجه لبعض الوقت, لكنه لا يستطيع أن يخفيه لكل الوقت. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات