الحياة تحت ظلال (التصاريح) ، بقلم محمد خالد الأزعر

اذا كانت الظاهرة الشهيرة بالعولمة تعني, بين أمور أخرى, تقريب المسافات وازاحة الحواجز وتقليل فروق التوقيت بفعل سرعة التواصل واللقاء والتأثير والتأثر على نطاق كوني, فان هناك حقائق تدعو للاعتقاد بأن حركة الشعب الفلسطيني تمضي في عكس الاتجاه, فالفلسطينيون في كل مكان يعانون بتواتر من التباعد المتنامي بين قطاعاتهم , وكل خطوة لهم تبدو خاضعة للتدقيق والحاجة الى أذونات من جهات مختلفة, قد تمنح أو تمنع بحسب أهواء تلك الجهات وسياساتها. بدأت هذه المعاناة مع الانهيار الكبير عام ,1948 حين تمزق الفلسطينيون وتفرقوا ايدي سبأ, بين الملاجىء والسلطات والدول والهيئات, وعند وقوع النكبة الثانية عام ,1967 قيل ان من حسناتها ـ ان كان لها حسنات ـ عودة اللقاء والتواصل بين ثلاث كتل منهم, فرقتها النكبة الأولى بين الضفة وغزة وداخل الكيان الصهيوني, كما أصبحت امكانات الحركة واللقاء بين الموزعين على الملاجىء أكبر في غمرة النهوض الوطني والتعاطف العربي والدولي مع المقاومة. يعز احيانا ائتلاف الاسرة الواحدة. ولا يعدم الحال امثلة لابناء اسرة ذهبت بهم غوائل الزمن والحاجات الى الخضوع لاطر قانونية مختلفة, تجعل مجرد تزاورهم مناسبة يحتفى بها, ومن الاشياء التي باتت مضاءة في هذه الدائرة, ان يعز اللقاء بين الاخوة او الاباء مع الابناء لان سمات الخروج والعودة والسفر تحول دون ذلك. ولعلنا بشيء من الصعوبة نجد لهذا العيب عذرا ذلك بانه مهما بلغت درجة التعاطف والاريحية من الآخرين, فان حال اللجوء محفوف دوما بانخفاض السقف الحقوقي للاجئين وارتفاع درجة اليقظة والتربص من السلطات المستقبلة لهم, ولكن اين ذلك مما يجري داخل فلسطين ذاتها؟ هناك يعيش الفلسطينيون في عالم من التصاريح والاذونات والحواجز بما يجل عن الحصر والظاهر ان مسيرة التسوية اغنت هذا العالم وعقدت معالمه, في حين كان يرجى ويؤمل منها العكس. ففي كنفها وتحت سمعها وبصرها وبانتاج مشترك وتنسيق عال بين القائمين عليها, ذهبت رياح النتائج غير المباشرة التي تحققت في عام 1967. لقد عاد ابناء فلسطين في الضفة وغزة والقدس وداخل اسرائيل الى مسيرتهم من التباعد التي كانوا عليها غداة 1948 وصار التواصل بينهم يحتاج الى تصاريح وتحريات تستهلك جهدا ووقتا. بيد ان امر تشتيت ابناء الشعب الواحد لم يتوقف عند هذا الحد, اذ اطلت في رحاب زمن التسوية معالم تضاعف وطأة هذا الامر, بحيث باتت قضية التصاريح تمثل هما مقيما على رأس كل فرد بعينه في الضفة وغزة, فكل واحد هناك له صلة بهذه القضية, لانه محاصر بها من مدخل او اخر. التصاريح والبطاقات الممغنطة واوامر الحركة مطلوبة بالحاحا للطالب, لكي يذهب من غزة الى جامعته بالضفة او العكس وللعامل كي يلحق بلقمة عيشه من الضفة وغزة داخل اسرائيل, وللاسرة التي ترغب في جمع شمل ذويها, وللمريض الذي يعوزه العلاج في مدن وقرى تقع هنا او هناك وللجميع ان ارادوا لعلة ما الانتقال ذهابا وايابا عبر المعابر الخارجية. ولسبب او بضعة اسباب لا يصعب اصطناعها يستطيع صاحب القرار الاسرائيلي بالذات ان يحجب التصريح المرغوب فيه ولآجال يحددها بذاته ولفئات يقع عليها اختياره دون معقب وفي كل الاحوال تتلصص الاهداف السياسية او تطل برأسها علانية, فالناس هناك اصناف واطياف. بعضهم يمكن التجاوز عنه وبعضهم موضوع تحت النظر مكتوف الحركة, وبعضهم من السلطة الفلسطينية والاخر متهم بالمعارضة, بعضهم من كبار الشخصيات والآخر من صغارهم, بعضهم من القدس وبعضهم من خارجها.. وقائمة (التبعيض) هذه لا نهاية لها تقريباً, وهي بوسعها ان تضع كل شخص تحت السيطرة والفحص والضغط الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو حتى النفسي. تلك العمليات الابتزازية التي نشأت على ضفاف ظاهرة التصاريح والأذونات متعددة الوظائف والأغراض. فطالما ان الناس ملهوفون لقضاء شئونهم عبر هذه الأذونات التي لا راد لقضائها على رؤوسهم, فثمة فرص في كل مكان لتسلل ذوي النفوس الخربة للاصطياد في هذه المياه العكرة. انهم من بوسعنا تسميتهم بـ (مافيا التصاريح) , أولئك الذين يستغلون حاجات الناس لتضخيم جيوبهم. وإذا كانت هذه المافيات موجودة بالأصل في رحاب السلطة الاسرائيلية لأن الاستعمار الاستيطاني ينتج خلقا من صنوه على شاكلته ممن يحترفون سرقة الآخرين فإنها موجودة ـ فيما تقول التقارير ـ بالانابة والاقتداء بين بعض ضعاف الخُلق على الجانب العربي والفلسطيني. وتتخفى هذه المافيات المتسلقة تحت عناوين قديمة في تقاليد الشرق والغرب كالوساطة وتسهيل الأمور وتذليل العقبات وتقديم الخدمات وكلها تصب إما في المحسوبية والاستتباع, وإما, ان كانت تعمل في النور بغير حياء, تحت شعار تطبيق الاتفاقات والتشريعات. ولا يدري المرء كيف يحكم على الصنف الأخير, لأنه لا اجابة لديه عن السؤال: هل يمثل التطبيق الحرفي لقانون جائر فضيلة أخلاقية أم لا؟ يحضرنا في معرض النمذجة والتمثيل لما يجري مثلان مما تتداوله الألسن سرا وعلانية, الأول يتعلق بتصاريح العمل الممغنطة التي تستخدم من الجانب الاسرائيلي للضغط على فئة العمال المطحونة, بهدف تخليق المتعاونين والعيون في الوسط الفلسطيني. وفي حالات اخرى يتم عرض هذه التصاريح مقابل نسب مالية من جهد العامل.. وثمة أسلوب ثالث, هو تحديد مدة وجيزة لانتهاء فترة السماح في التصاريح لإكراه العامل على استخراج غيره برسوم وأتاوات معينة, تجعل مانحي الأذونات ووسائطهم شركاء في أرزاق العمال البؤساء المسوقين بلقمة الخبز الى هذا المصير المؤلم. أما الثاني, فيستقي من التعامل في رحاب بعض الأوساط الفلسطينية بخصوص ما يسمى بعمليات جمع الشمل في أراضي الحكم الذاتي. فتحت بند الحالات الإنسانية والاستثناءات الضرورية, أضحت المحسوبية والوساطة, أقرب الطرق الى نجاح هذه العمليات بالنسبة للبعض في الدوائر الرسمية. وهي طرق أفضت الى الاثراء السريع لبعض مسئولي هذه الدوائر. إن فكرة التعامل مع حركة الناس عبر التصاريح والأذونات بمناسبة وبدون مناسبة, بين الداخل والخارج, وبين الخارج والخارج, وبين الداخل والداخل, على المعابر والجسور والطرق الآمنة وغير الآمنة, للعمل والدراسة والعلاج والزيارة وأداء الفرائض ومن أجل كل شيء تقريبا.. هذه الفكرة في حد ذاتها مقيتة وبريئة من حقوق الانسان والمواطن, ومن اتجاه العصر عموما, وعملية التسوية الحقيقية خصوصا. ولاشك ان وجود المافيات المذكورة بأنواعها, من الحيتان الكبيرة حتى الأسماك الصغيرة والطفيليات, تعمق الاحساس بالقهر والظلم وتحيل الحياة الى رحلة عذاب لا تطاق بين سنادين الاحتلال والملاجىء ومطارق الأفاقين من أهل النفوذ في الداخل. * كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات