هل تجري حاليا مفاوضات سرية بين القيادة الفلسطينية ورئيس الحكومة الاسرائيلية إيهود باراك؟ ما يغري بطرح هذا السؤال هو اولا ان اسلوب التفاوض السري بين الفلسطينيين والاسرائيليين له سابقة تاريخية في العاصمة النرويجية (أوسلو)انتهت الى اتفاق السلام , الذي اشتهر باسم هذه العاصمة الاوروبية. ثانيا ان شخصية الجنرال باراك مطبوعة تماماً بخلفيته المهنية كضابط استخبارات كان متخصصا في المهمات ذات الدرجة السرية العليا. ثالثا, هو ذلك الستار من الصمت الغامض الذي اسدل على (عملية السلام) برمتها منذ 13 سبتمبر حين عقد اجتماع استهلالي بشأن (الوضع النهائي) ... كان الاول والاخير حتى هذه اللحظة بعد مضي نحو سبعة اسابيع. وخلال فترة الصمت هذه نسب تصريح ذات مرة الى باراك بأنه انشأ قناة اتصال شخصية على اعلى مستوى بينه وبين الرئيس عرفات. فهل الغرض الاسرائيلي من هذه القناة الشخصية هو تجديد لاجتماعات اوسلو السرية السابقة؟ لقد كان في اعلان (اتفاق اوسلو) مفاجأة لا للعالم والعرب, حكومات وشعوبا فحسب, بل ايضا لاكثر الشخصيات الفلسطينية المفترض ان الاقرب الى عرفات من حيث صفتهم الفلسطينية مثلا. وباعلان الاتفاق رسميا وضع عرفات رفاقه المقربين امام امر واقع. وما كان متاحا له ذلك لو لم تكن (اوسلو) ثمرة مناقشات أحيطت بسرية كاملة وانفرد فيها شمعون بيريز رئيس الحكومة الاسرائيلية وبعض كبار مساعديه ومعه كبار الشخصيات اليهودية النافذة في المنظمات اليهودية الامريكية... انفردوا جميعاً بعرفات. وارن كرستوفر وزير الخارجية الامريكي الاسبق يكشف لنا في مذاكراته التي يحويها كتاب بعنوان (في مجرى التاريخ) ان اتفاق اوسلو اذ حدد الاهداف فانه خلا من الخطوات التنفيذية. والهدف الاكبر هو بالطبع كما جاء في الاتفاقية هو إحلال السلام بين الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي عن طريق اتاحة الفرصة للشعب الفلسطيني لنيل حقوقه. ولكن (كيف) ينال هذه الحقوق؟ هل يسمح له باقامة دولة مستقلة كاملة السيادة؟ هذا هو نوع المسائل الحيوية الفاصلة التي استطاع الجانب اليهودي ان يحمل الرئيس عرفات حملا على القبول بتجاهلها او صياغتها بابهام متعمد. الامر الذي كان من الصعب تمريره لو ان عرفات كان مسنودا بطاقم تفاوضي كامل وفي أجواء خالية من الغموض التآمري. ويبدو الآن انه تراءى لباراك استثمار تجربة اوسلو بأن يحصر العملية التفاوضية حول قضايا (الوضع النهائي) بينه وبين عرفات... وبذلك يستطيع الرئيس الفلسطيني عند نهاية المطاف ان يضع رفاقه وقومه امام امر واقع... قياسا على ما جرى بشأن اوسلو. ليس ذلك فحسب... بل يبدو ان عملية التفاوض السري بدأت بالفعل. ان مسائل (الوضع النهائي) كلها بلا استثناء مسائل مصيرية: عودة اللاجئين... السيطرة على مصادر المياه في الضفة... الدولة الفلسطينية ومدى تمتعها بالسيادة على الارض... ومساحة الارض نفسها... وبالطبع مصير القدس. وفي مواجهة هذه المسائل الخطيرة وضع باراك (لاءات) ليس بوسع عرفات ان يتحداها دون ورقة تنازل عنها سلفا: الكفاح المسلح او التلويح به. وقياسا الى المسلسل التنازلي الذي صار الميزة الغالبة على نهج عرفات مع التعامل مع الخصم فان الرئيس الفلسطيني يدخل مفاوضات (الوضع النهائي) وهو يدرك تماما انه مقبل على اخطر التنازلات قاطبة مما لا يكون مقبولا فلسطينيا حتى على صعيد رفاق عرفات انفسهم. من هنا قد يبدو للرئيس عرفات ان المخرج هو التفاوض السري الانفرادي. فلننتظر لنرى. احمد عمرابي