لا أحد يعرف لماذا يصمت الغرب والامم المتحدة عما يجري في الشيشان, من هجوم روسي يشبه الغزو ويدمر البنية التحتية والمرافق, ويمارس سياسة الارض المحروقة, الا ضمن سياسات هذا الغرب الانتقائية, حيث ما يصح عنده في تيمور الشرقية مثلا لا يصح في جمهورية الشيشان, وما يصح في جنوب السودان لا يصح في تركيا وهكذا . وصحيح ان ما يجري في الشيشان شأن روسي داخلي, باعتبار الجمهورية جزءا وان كان يتمتع بحكم ذاتي من الاتحاد الروسي, الا ان القتل والتدمير ليسا كذلك بحكم مصطلح (التدخل الانساني) الذي حاول الغرب والامم المتحدة فرضه على العالم, بعد الادعاءات الطويلة عبر سنوات نصف القرن كله حول حقوق الانسان وحريته, التي استخدمت على الدوام ستارا للتدخل لتحقيق المصالح الغربية, اكثر من استخدامها لصالح الانسان وحقوقه, بما في ذلك انقاذه من حكومات دكتاتورية موجودة إلى اليوم. وبمثل هذا الكيل بمكيالين في ميزان واحد اسمه حقوق الانسان أو التدخل الانساني, رأينا اقرار الاستفتاء على حق تقرير المصير في تيمور الشرقية وادخال قوات دولية لحماية اهالي الجزيرة, وهو ما لم نره بعد في الشيشان مثلا, من التي ينطبق عليها حق تقرير المصير واستفتاء شعبها حول حرية بقائه ضمن الاتحاد الروسي أو الاستقلال عنه, كما لم نر في الوقت نفسه مجرد مواقف أو ادانات للتدخل العسكري الروسي, لا ارسال قوات لحماية اهل الجمهورية. بالمنطق الانتقائي نفسه, وبعيدا عما اذا كان المعنيون مسلمين مثلا أم لا, أمكن حماية شعب كوسوفو من مذابح الصرب, حيث تواجدت مصلحة غربية في ذلك, حتى مع عدم تحقيق كامل طموحات شعب كوسوفو التي اعادها التدخل الدولي إلى الوراء, فيما لم يتم الالتفات يوما إلى ما يتعرض له اكراد تركيا مثلا من تهجير ونسف واغتيال حقوق إنسان تحت شمس النهار. طبعا في السياق هذا فان مادلين اولبرايت لم يعجبها مثلا ان تبادر مصر وليبيا لايجاد حل لمعضلة السودان المزمنة, ما تبشرنا مع هذا الرفض للتدخل العربي بتدخل اخر غربي ربما يكون وشيكا وتحت ستار حق التدخل وحرية المصير وغير ذلك لشعب جنوب السودان, يشبه إلى حد كبير ما جرى في تيمور الشرقية, ومن يعش ير. وواضح طبعا ان هناك محاولات لفرض مبادىء جديدة وتسويق شعارات ظاهرها رحمة وباطنها عذاب للألفية الثالثة, بحيث تكون تحت مظلة الامم المتحدة ومستمدة شرعيتها من قوانين وقرارات دولية, هي ليست اكثر من محاولات لفرض أفكار على العالم تخدم مصالح معينة وغربية تحديدا لا مصالح الشعوب عامة والامم بأفرادها وجماعاتها واقلياتها كما تزعم هذه الافكار, من بروز شعار التدخل الانساني كمثال إلى ما يثار حول مشروع قرار أوروبي بالغاء عقوبة الاعدام عالميا, مطروح للمناقشة على الجمعية العامة للامم المتحدة, فنعرف من ذلك بعض ملامح العولمة, التي تعيد الاستعمار من النوافذ هذه المرة وبشكل قانوني آخر حلاوة. ولا أحد في العالم طبعا يمكنه ان يرفض اقرار المزيد من حقوق الانسان وحمايته من التعسف والاضطهاد والظلم ومنحه حق الحياة الحرة والكريمة, وهو ما تسعى اليه المبادىء العالمية بما في ذلك حق (التدخل الانساني) نفسه, الا ان تجارب القرن كلها لا تطمئن العالم, لا على مدى مشروعية هذه المبادىء فحسب, بل على مدى القدرة على تطبيقها بعدالة وانصاف, فهذه التجارب علمتنا الدرس الاول في السياسة: اذا دخلت المصالح من الابواب طارت المبادىء من الشبابيك!