في غياب التشريعات ونقص الصلاحيات، من يحمي المال العام؟بقلم نجيب عبد الله الشامسي

حرم الاسلام سرقة المال, وفرض اشد العقوبات على من تسول له نفسه ويمد يده الى حقوق ليست من حقه, لا سيما اذا كان ذلك المال هو مال عام يفترض ان ينتفع به الناس جميعا. وحينما تشكلت الدولة الاسلامية بمؤسساتها المختلفة كان(بيت المال)أو المؤسسات التي تم الشروع في تأسيسها حرصا على المال العام من أية سرقة أو اية تجاوزات.. والشواهد والمعطيات كثيرا ما تؤكد لنا في يومنا هذا ان من يحاول التعرض للمال العام أو حتى الخاص, فان هناك عقوبة الهية تنزل على السارق, سواء في ماله او اهله او نفسه, ناهيك عن العقوبة التي يفرضها القانون في حال الامساك بالسارق!! والامارات العربية المتحدة التي حباها الله بهذا الخير الوفير بعد يباب طال امده, تجعلنا اكثر حرصا على المال العام وتوظيفه في القنوات الصحيحة. ولكن فترة السبعينيات, والثمانينيات حيث شهدت طفرة مالية كبيرة بحكم الايرادات النفطية سعت القيادة في دولتنا الى العمل بشكل دؤوب في توظيف تلك الثروة في تحقيق البنية التحتية وانشاء المرافق العامة, خدمة للمواطنين والمقيمين تعويضا عن شظف العيش ومعاناة الانسان فيما قبل. غفوة الضمير لكن ذلك تم في ظل غياب الرقابة من قبل مؤسسات الدولة ووزاراتها, سواء كانت رقابة محاسبية ومالية من قبل ديوان المحاسبة, أو رقابة تشريعية قانونية, بحكم ضعف التشريعات آنذاك. وفي ظل ضعف الرقابة والمحاسبة والتشريع, فان الامر شجع على حدوث تجاوزات خطيرة كان هدفها توظيف المال العام في تحقيق مآرب خاصة ومصالح آنية, حققت خلالها شريحة من موظفي الدولة ثورة خاصة لم يكن لها الحق فيها, بسبب استغلالها للثغرات القانونية آنذاك وضعف الرقابة المالية والمحاسبية, وفي ظل غفوة الضمير لدى شريحة من الموظفين والتي استمرت (أي الغفوة) لفترة طويلة ان ضعف الرقابة المحاسبية التي كان يقوم بها ديوان المحاسبة آنذاك تعزى في الاساس الى ضعف او محدودية صلاحياته, وبالرغم من ذلك فان ديوان المحاسبة استطاع وخلال تلك السنوات ان يكتشف الكثير من التجاوزات والاختلاسات, حيث ضمنها تقاريره السنوية التي كان يرفعها الى الجهات والسلطات المعنية لمعالجة تلك التجاوزات ومحاسبة اولئك الذين امتدت ايديهم الى المال العام !! ولكن في كثير من الاحيان فان السلطات المعنية لم تعطي تلك التقارير أهمية, الامر الذي شجع البعض الآخر من الموظفين على الاستمرار في تلك التجاوزات, مستغلا ذلك الضعف او قلة الاهتمام بتقارير الديوان, بل نمت شرائح اخرى في مؤسساتنا ووزاراتنا ودوائرنا الحكومية لتستفيد من هذه الوضعية, غير عابئة بالقانون او بالرقابة المحاسبية, وذلك من منطلق ان (المال السائب يعلم الناس السرقة) !! مواجهة الخلل ان تلك التجاوزات وتفشي الامراض الادارية في مؤسساتنا ووزاراتنا الحكومية, لا تعني بالضرورة ان تباع مؤسساتنا او هيئاتنا الى قطاع خاص هدفه الاول تحقيق الربح فقط, ولا تعني بالضرورة الا يكون هناك فساد اداري او مالي, وانما قد يؤدي ذلك الى المزيد من الخلل والتجاوز. الامر الذي يدعونا الى ضرورة التأكيد على مبدأ (المساءلة) واعطاء الحق لذويه, ومواجهة التسيب والتجاوز والفساد ومهما كان شكله, بالقوانين واللوائح والمحاسبة. ولابد من اعطاء ديوان المحاسبة صلاحيات واسعة, ويجب ربط الديوان بالسلطة العليا في الدولة ليكون اكثر فاعلية, واكثر محاسبة واكثر قدرة على القيام بدوره في الرقابة والمحاسبة. ان البناء الحقيقي لا يأتي باستيرادنا الافكار من الخارج, ولا يأتي باستيرادنا للنظم والقوانين واللوائح, وانما بمواجهة الضعف والخلل من خلال انشاء مؤسسات تعطى كافة الصلاحيات, مع وجود رقابة ومتابعة ومن خلال وجود معايير الدقة وسرعة الانجاز والثقة. ان المواطن والمقيم قد يرفض مفهوم الخصخصة لانه يخشى التخصيص, حيث تزداد التجاوزات والاختلاسات والمرافق والمؤسسات العامة او المال العام متى ما وجدنا الرقابة والمحاسبة, فاننا نستطيع منع التعرض للمال العام, ونضمن آنذاك ان المال العام يوظف بشكل صحيح. وفي ظل المتابعات التي نقرأها او نسمع عنها, فان الاصلاح الاقتصادي والاداري والمالي يجب ان يكون ضمن اولويات الحكومة خلال المرحلة المقبلة, وان اتباع سياسة التطوير والتأهيل والتوطين هو الآلية او السبيل لتحقيق الاصلاح في مؤسساتنا, وهو امر في غاية الاهمية, ومطلب اساسي, اذا اردنا حماية المال العام. ان اعطاء ديوان المحاسبة صلاحيات اوسع ومراجعة قانون تأسيسه هو في غاية الاهمية, كما ان ربط الديوان بالسلطة العليا في الدولة هو مطلب حتمي تمليه ضرورات المعالجة والحد من التجاوزات.. كما ان تفعيل المجلس الوطني ومنحه صلاحيات واسعة في محاسبة المسئولين في الوزارات والمؤسسات الحكومية, هو امر يصب في مصلحة البلاد ويهدف الى تحقيق الاصلاحات الهيكلية في تشريعاتنا وقوانيننا وانظمتنا, وحفاظا على المال العام وتوظيفا له على النحو الذي يحقق الاهداف ويدعم مسيرة التنمية على مختلف مساراتها. * كاتب وباحث من الامارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات