خط مباشر: جنوب السودان والمسيحية الغربية (5-5)، بقلم أحمد عمرابي

تحت غطاء انتمائها للامم المتحدة كان النشاط الرئيسي للجنة الدولية للتفتيش عن الاسلحة في العراق هو التجسس. وعلى هذا النحو كان اعضاء فرق التفتيش وكلاء يعملون لصالح الاستخبارات الامريكية والاستخبارات الاسرائيلية. هذا ما كشفه من الداخل سكوت ريتر احد كبار اعضاء اللجنة ونشره في كتاب كامل . وما كان يجري في العراق الى ان غادرت اللجنة الدولية عشية بدء عملية (ثعلب الصحراء) مطلع هذا العام ظل شيئا يشبهه ما يجري في جنوب السودان تحت غطاء (الاغاثة الانسانية) غير ان الجمعيات المسيحية الغربية التي تتولى هذا الامر لا تكتفي بالنشاط التجسسي وانما تتعداه الى الانحياز النشط لاحد طرفي الحرب الدائرة هناك. في عام 1994, اضطرت قوات قرنق الى إخلاء مركز قيادتها في مدينة (كاجوكاجي) على الحدود السودانية للقوات الحكومية. وكان من بين المعدات والتجهيزات التي عثر عليها شاحنات واصلة للتو فيما بدا وعليها علامة جمعية (تضامن) المسيحية الغربية. كانت صناديق الادوية المرصوصة داخل كل شاحنة تحويها... فيما تحتها مباشرة رصت صناديق اسلحة وذخيرة. واذا كانت (تضامن) المسيحية التي ترأسها البارونة كوكس البريطانية هي اشهر الجماعات المسيحية (الخيرية) التي تقدم امدادات منتظمة الى قوات قرنق فانها ليست الوحيدة. هناك منظمات سويدية ونرويجية وكندية بالاضافة الى (ويرلد فيجن) الامريكية. ومن وراء كل هذه الجماعات يقف (مجلس الكنائس العالمي) كقائد اوركسترا. وهكذا لم ينقطع الخيط المسيحي الغربي على مدى كافة المراحل المتصلة في قصة جنوب السودان على مساحة زمنية مقدارها مائة عام بدأت منذ دخول الجيش البريطاني الغازي ارض السودان عام 1898. لكن يبقى سؤال: لماذا تستهدف المسيحية الغربية جنوب السودان لمدة قرن؟ ما هو هدف الجمعيات الكنسية الغربية من التحالف مع الادارة البريطانية في السودان... ثم تبني حركة التمرد الجنوبية بصورة كاملة طوال عهود قادتها: اوليفر البينو في الخمسينيات... ووليام دينق وجوزيف لاقو في الستينيات حتى اوائل السبعينيات... وجون قرنق في الثمانينيات والتسعينيات. للاجابة على هذا السؤال يتعين علينا ان نعيد الى الاذهان ان تاريخ الحملات التبشيرية المسيحية في القارة الافريقية جنوب الصحراء يرتبط ارتباطا عضويا بالاندفاع الاستعماري الاوروبي في القارة خلال القرن التاسع عشر. كان دور الجمعيات التبشيرية هو التمهيد للغزو الاوروبي. وابلغ تلخيص للرابطة الاستعمارية الدينية جاء على لسان مناضل كيني هو الزعيم الراحل اودينتا اوقنقا حين قال: (لقد اعطونا الانجيل باليمين... واخذوا منا الارض بالشمال) . لكن الدوائر الاستراتيجية الغربية كانت تخشى شيئين: وجود اقليات او اغلبيات اسلامية داخل افريقيا السوداء... ووجود حزام اسلامي جنوب الصحراء الكبرى مباشرة يمتد في شرق القارة. (ارتيريا والسودان) الى غربها (مالي) عبورا بتشاد ونيجيريا. وما كانت تخشاه ـ ولا تزال تخشاه ـ هذه الدوائر هو حدوث التحام بين شعوب الحزام الاسلامي والاقليات والاغلبيات المسلمة جنوب الحزام. من هنا كان التفكير منذ بواكير الحقبة الاستعمارية في خلق مناطق عازلة تحول دون تبلور هذا الالتحام. وجنوب السودان هو اهم حلقة في مناطق العزل. ان الاستراتيجية المعتمدة غربيا الآن هي استمرار الحرب الدائرة في الجنوب السوداني. وهذه الاستراتيجية مبنية على اساس الاعتقاد بأن حلول سلام لفترة طويلة في هذا الجزء من افريقيا يتيح للمسلمين الانتشار فيه بوسائل التعامل السلمية كالتبادل التجاري والثقافي والتزاوج وهو الخطر الاعظم الذي ينبغي الحيلولة دون تحققه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات