من لا يعمل لا يخطىء هذه مقولة سائدة, تعني ان الممارسة اليومية للسلطة والصلاحيات وتنفيذ اجراءات العمل توقع الجميع في اخطاء وقد تقود احيانا الى تجاوزات كبيرة جدا, ولا يستطيع احد منا ان ينكر ان هذه الاخطاء والتجاوزات قد تحدث احيانا نتيجة للجهل وقلة الخبرة وحسن النية والاهمال , ولكنها تحدث ايضا بشكل مقصود ومتعمد, ونتيجة رغبة المخطىء في استغلال مركزه بأي شكل كان هذا الاستغلال. كل ما جاء سابقا معروف للجميع, ولكن السؤال المحير هو لماذا يشيع الخطأ وتنعدم ـ احيانا ـ آليات اصلاحه او ردعه او مواجهته؟ لماذا نخطىء جهارا عيانا ونصلح اخطاءنا ونواجهها بشكل سري, مع ان العكس هو ما يجب ان يحدث؟ ولماذا نتباطأ في التصدي للخطأ والتجاوز مع اننا نراه ونتابعه ونعرف تفاصيله وملامح مرتكبيه؟ وهل ستتحول الصحافة عندنا الى سلطة يحق لها محاكمة الخطأ والحكم عليه ومعاقبته ايضا؟ ان هذا الذي قرأناه منذ يومين عن ذلك الموظف الذي القي القبض عليه لاختلاسه مبالغ مالية ضخمة في مستشفى خورفكان, كان يمارس تجاوزه منذ (11) سنة! وهذه التجاوزات التي كشفها السيد ماجد الخزرجي رئيس ديوان المحاسبة يعود بعضها لسنوات طويلة, وذلك الطبيب الذي فعل كذا والمدرس الذي اخطأ في كذا والمسئول الذي استغل منصبه ومدير المخازن الذي اختلس واحد كبار الموظفين في احدى الوزارات الذي تقاضى مبالغ ضخمة نظير (اتعابه) في مشروع معين للوزارة و.. الخ. هذه التجاوزات تحتاج الى رقابة ومتابعة وموقف حاسم منذ البداية الا ان هذه الأخبار على ما يبدو ـ أعني أخبار الفساد الإداري والمالي ـ ستكون غذاء الصحافة المحلية لفترة طويلة مقبلة, وهي ذاتها الأخبار التي تم بواسطتها تدشين عهد الانفتاح الصحافي في مجتمع الامارات ايذانا بإعطاء دور أكبر للصحافة تكون فيه سلطة رقابة مجتمعية حقيقية. وهو بلا شك عهد جميل وكلنا نحلم به ونرغب في استقرار ركائزه ووضوح صورته, وليس منا من يمكن ان يفكر بخلاف ذلك, ولكننا تعودنا ونحن نؤسس لهذا المجتمع منذ بداياته ان تأخذنا الحماسة الى أبعد مما يجب, وان يسيطر علينا طموح الراغب في تجاوز عقبات الماضي وتعويض ما فات إلى درجة اننا سمحنا لأنفسنا باجتياز طريق خطير (طريق التنمية والتأسيس) بسرعة خارقة وغير مسموح بها قانونيا فتخطينا الرادارات والاشارات الضوئية الحمراء, وحين وصلنا أو اعتقدنا اننا وصلنا لبعض الأهداف كانت فواتير المخالفات أكبر من قدرتنا على الدفع. هذا ما حدث في الكثير من محاور ومفاصل الحياة التعليمية والعمرانية والسكانية والاقتصادية والاجتماعية, وها نحن اليوم ندفع فواتير مخالفات تعليمية باهظة, تعليم بمستوى متدن, مناهج متخلفة, مخرجات تعليم لا تفي بمتطلبات سوق العمل, التعليم العالي أصبح سوقا يحق لكل تاجر وراغب في الثراء ان يدخله حتى تحول إلى مزاد علني على التعليم, بنية سكانية مختلة حد المأساة, خلل اجتماعي في نظام الأسرة والعلاقات الاجتماعية, خدمات صحية متدنية و... الخ. بمعنى آخر لدينا كل شيء وبوفرة لكن لا يتناسب أداء هذه الوفرة مع الطموح الذي ركضنا لأجله على امتداد ثلاثة أجيال.. إذن فمن حقنا ونحن ندشن عهدا اعلاميا مغايرا, ان نسأل: أيهما يجب ان يحدث أولا ان نؤسس لقواعد اعلامية سليمة أم ان نرفع سقف الحرية؟