مع الناس: بقلم عبدالحميد أحمد

تجمعت عندي قصاصات من العراق على مدى الشهور الثلاثة الماضية, أغلب ما يجمع بينها أنباء عن وفيات في ظروف غامضة, هي أقرب للتصفية والاغتيال, لمسئولين عراقيين, من وفاة مهندس قصور صدام الذي يذكر مصيره بمصير سنمار الشهير, إلى وفاة رافع التكريتي مدير المخابرات العراقية وغيرهما كثير , فتكون مثل هذه القصاصات غير جديرة بالاهتمام, لا لأن أحداثها غير مهمة, بل لأن الاغتيال في العراق من الأحداث العادية التي لو لم تقع في يوم ما فإن العراق لا يكون عراقاً. طبعاً من بين القصاصات ما هو أهم بكثير, مثل القرار الذي اتخذه صدام حسين بتعيين قصي إبنه نائبا له يتولى كل الصلاحيات كرئيس للجمهورية في حالة وقوع أي مكروه للرئيس الحالي, أما المهم فليس القرار وحده, فذلك متوقع بما هو أكثر منه, نسبة للديمقراطية التي تفيض عن البرلمان العراقي وقصور الرئاسة وحزب البعث بقيادتيه القطرية والقومية, مقارنة بأن القرار جاء لاقتراح تقدم به عزة الدوري نائب الرئيس, فوافق عليه صدام فوراً. إذا كان عزة الدوري من الحكمة والقوة والمكانة ان يقترح فيوافق على اقتراحاته الرئيس العراقي, فيصدر مراسيم وقوانين وقرارات لتنفيذ هذه الاقتراحات فوراً, كما حصل مع اقتراح تعيين قصي, فإن الأمم المتحدة والكويت وكل بلد آخر أو منظمة إقليمية أو دولية, لها مشكلات مع العراق, إنما لا تعرف حل هذه المشكلات من الأساس, وكانت هذه جميعها ستوفر جهوداً جبارة لو أنها خاطبت الدوري لكي يقترح حل هذه المشكلات, من إطلاق الأسرى الكويتيين إلى تنفيذ إتفاق النفط مقابل الغذاء من دون مراوغة. هناك أيضاً من بين القصاصات ما هو أكثر عقلانية ومنطقاً, كخبر موافقة العراق على دفع تعويضات تقدر بستة ملايين دولار لمركز تجاري إسرائيلي عن خسائر لحقت به من قصفه بصاروخ سكود خلال حرب تحرير الكويت, أو خبر منع العراقيات من العمل بوظيفة سكرتيرة منعاً لظاهرة زواج المديرين من سكرتيراتهم ولعدم قدرة النساء على حفظ الاسرار, كما يقول القرار, لنعرف منهما أن العراق قادر على دفع تعويضات لاسرائيل على وجه السرعة, غير أنه غير قادر على توفير ثمن دواء أو حليب لأطفال يموتون لديه بسبب الحصار. أما السكرتيرات فالأفضل أن تعمل الواحدة منهن سكرتيرة لدى زوجها في البيت فحسب, ذلك لأنه لو قرر أن يتزوجها فتحصيل حاصل, كما أن إفشاءها للاسرار لن يضر أحداً سواهما, من دون أن أعرف ان كانت هناك منظمة دولية للدفاع عن السكرتيرات فتهب بشن حملات ضد العراق على هذه المعاملة التمييزية وعلى هذه التفرقة والعنصرية وتشويه الصورة ضد السكرتيرات. وبما أن كل لا معقول يصبح معقولاً في العراق, فإن قصاصة الفلكي العراقي فاضل جعفر محمد الذي نفى أن تكون الأرض كروية تبقى الأبرز مما يعبر عن حالة البلد كله, فهذا قال انه يتحدى الكمبيوترات والكاميرات التي تصور الأرض على أنها كروية, وأنه يملك من الأدلة والبراهين العلمية والمنطقية التي يحتفظ بها للمناظرة مع من يرغب من العلماء ليثبت ان الارض مكعبة وثابتة وأن الشمس هي التي تدور حول الأرض وتشكل الليل والنهار والفوارق الزمنية. ويلاحظ القارىء العاقل أن كل قصاصة من هذه القصاصات بما تحمل من أخبار عراقية تحتاج إلى زاوية مستقلة لكي تصبح مفهومة إلا أننا نختم بالفلكي العبقري, فهذا واضح إنه من نتاج سنوات الأزدهار العلمي والاقتصادي في عصر صدام حسين, ولا نعرف بعد ما هي الأدلة والبراهين التي يملكها على أن الأرض مكعبة, مع ذلك فهو لا يحتاج الى كثير من الأدلة ولا إلى بذل الجهد والتفكير لإثبات ذلك, إذ يكفي أن يقتنع الرئيس المهيب فيقول ان الأرض مكعبة لكي تكون مكعبة فعلاً, أما كيف يمكن أن يحدث ذلك, فالأمر أسهل مما يتصور الفلكي وذلك بأن يقترح عزة الدوري على الرئيس بأن الأرض مكعبة! عبدالحميد أحمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات