لاتفاقية اديس ابابا عام 1972 بروتوكول سري يحظر نشر اللغة العربية كما يحظر التبشير الاسلامي في جنوب السودان بينما تفتح الاتفاقية المجال بلا حدود للتبشير المسيحي.على هذا النحو كانت الاتفاقية اولى ثمرات تحول الرئيس نميري من صديق للاتحاد السوفييتي الى عميل للولايات المتحدة والغرب في اعقاب البطش بالحزب الشيوعي واليسار السوداني عموما. واختيار اديس ابابا مكان لعملية التفاوض بين وفد الحكومة السودانية ووفد حركة التمرد لم يكن عشوائيا, كانت اديس ابابا ولا تزال عاصمة المسيحية في افريقيا.. ثم ان عاهل اثيوبيا الامبراطور هيلاسلاسي كان الوسيط بين طرفي التفاوض باعتباره راعي الكنيسة الارثوذكسية في القارة الافريقية. لكن الحضور المسيحي كان اكبر من ذلك, فمع هيلاسلاسي شارك في عملية التفاوض ممثل (مجلس الكنائس العالمي) (ومقره جنيف) وممثل اتحاد الكنائس الافريقية وممثل اتحاد الكنائس السودانية. عاد النفوذ المسيحي العربي بشقيه الثقافي والديني الى جنوب السودان ليبقى في ظل الحكم الذاتي الجنوبي لمدى 11 عاما الى ان وقعت فتنة قبلية جنوبية افرزت تطورين في عام 1983: ذهاب الحكم الذاتي وتجدد التمرد كحركة ناشطة في الخارج.. هذه المرة تحت اسم (الحركة الشعبية لتحرير السودان) .. بقيادة العقيد جون قرنق. على ان هذه الفتنة لم يكن لها بعد ديني, كانت نزاعا جنوبيا صرفا نشأ عن تناقض النعرات القبلية وتنازع سلطة الحكم الذاتي, فقد اتضح ان هناك قبيلة معينة من بين كل القبائل الجنوبية هي المستفيد الاكبر من مؤسسات الحكم الذاتي, ولان قبيلة الدينكا ـ التي ينتمي اليها قرنق ـ هي اكبر القبائل الجنوبية عددا فإنها كانت على الدوام اكبر كتلة سياسية داخل برلمان الحكم الذاتي.. مما انعكس ايضا على تشكيلة الحكومة التنفيذية. ومع مرور السنين اخذ التذمر يتعاظم بين النخب الثقافية المنتمية الى قبائل اخرى مما ادى الى اضطرابات واشتباكات خطيرة. لكن عناصر نخبة الدينكا غضبوا عندما حسم الرئيس نميري النزاع باصدار قرار جمهوري باعادة تقسيم الجنوب الى محافظات مما ادى الى تقليص النفوذ الدينكاوي على المستوى المركزي الجنوبي وحصره محليا. وكرد فعل على ذلك وقعت محاولة انقلابية دينكاوية في الجنوب بغرض اعادة اوضاع الحكم الذاتي الى ما كانت عليه, كان العقيد جون قرنق من بين قادة هذه المحاولة.. التي على اثر اخمادها هرب مع من هرب من ضباط وجنود دينكاويين عبر الحدود الى اثيوبيا. وهنا يبرز سؤال تاريخي بشأن الخيط المسيحي الذي لم ينقطع: لماذا وكيف تحولت حركة تذمر قبلي محدودة الى حركة سياسة قتالية كبيرة تقول انها لا تنشط باسم الجنوب السوداني فحسب بل باسم السودان كله؟ الاجابة بسيطة فدخول قرنق وصحبه اثيوبيا كان ـ كما تبلور لاحقا ـ ايذانا بأن تتلقفهم الكنيسة الارثوذكسية الاثيوبية بهدف اعادة الحياة الى التمرد الجنوبي على اسس ومنطلقات مسيحية. لماذا؟ لان المؤسسة المسيحية الغربية اكتشفت انه بعد 11 عاما من احلال السلام في الجنوب جاءت النتائج على عكس ما كان متوقعا ومرجوا من منظور مسيحي, فعوضا عن تسارع انتشار المسيحية بين أهل الجنوب كان يتسارع انتشار الاسلام بصورة طبيعية بسبب التداخل والاحتكاك الحر بين الجنوبيين والشماليين دون تدخل من الحكومة او الهيئات التبشيرية الاسلامية, كما توسع انتشار اللغة العربية كلغة تواصل بين الجنوبيين انفسهم على حساب اللغة الانجليزية. وبصورة بطيئة لكنها ذات مغزى, بدأ ايضا انتشار استعمال (الجلابية) و(الثوب) النسائي الشمالي.. بما يحمل ذلك في ايماءات حضارية لا تخفى.