يبدو ان المسألة الاعلامية بكل تركتها الثقيلة وبما لها وما عليها ستكون شغلنا الشاغل لفترة طويلة مقبلة, ويبدو ايضا ان امر الانفتاح الاعلامي في صحافة الامارات ليس شأنا داخليا ابدا كما قد يعتقد البعض, ذلك ان العالم خارج حدودنا يراقبنا وينتظر نتائج معركتنا الاولى التي نخوضها كمجتمع مدني حديث يعج بالكثير من الاشكاليات والقضايا التي تنتظر الحسم, هذا العالم لايراقبنا حرصا علىنا او خوفا منا, فعالم المصالح والعلاقات اكبر بكثير من ما يبدو واضحا حتى اليوم ان موجة حرية الصحافة عندنا تسير وفق مبدأ (خطوة الى الامام خطوتان الى الخلف) وهذا تحديدا ما كانت تغمز اليه صحيفة (الشرق الاوسط) اللندنية الصادرة امس عندما اختارت لصفحتها الاولى عنوانا لافتا يقول: ( مخاوف في الامارات من تحول الانفتاح الاعلامي لتصفية حسابات) ثم اكملت في الصفحة الثالثة (موجة الانفتاح الاعلامي الاماراتية تواجه اول تحد لها)! هذا هو اول الغيث كما يقولون ودوافعه هو امتناع الصحف المحلية عن نشر وقائع المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير العمل ليرد فيه على تصريحات رئيس ديوان المحاسبة فلماذا المنع والتعتيم؟ فطالما اخترنا طريقنا فلابد ان نكون على قدر الاختيار, واظن ان لكل طريق وسائله, ولكل مرحلة استحقاقاتها, والمرحلة المقبلة في مسيرة العمل الاعلامي لن تكون سهلة ولن تمر دون معارك او خسائر, لكن المهم في كل ما يحدث وما سيحدث هو في طريقة إدارة هذه المعارك, حيث لاخطأ ولا ضرر في ان نراكم تجاربنا ونؤسس لانفسنا نهجا صحيحا بطريقة الحروب, ذلك ان التنمية حرب على الركود, والتطوير والتحديث حرب على الفساد والبيروقراطية, والديمقراطية حرب ومعركة ضد تركة قرون التخلف, والتعليم حرب ضد الامية وهكذا .. الخ, وبطبيعة الحال فكل امم الارض قد بنت تاريخها بطريقة الانتصارات والخسائر. ولكن المهم والاكثر خطورة ان ينتبه الجميع في هذه المرحلة الى اننا نعيش حالة معاكسة بكل المقاييس لما كنا قبل فترة بسيطة من الزمن, وان هذا (الانقلاب) الحاصل في الساحة الصحفية تحديدا ليس امامه سوى خيارين فقط, إما ان يتحول الى وضع مستتب وآمن يرسي قواعد سليمة لما بعد مرحلة الهيجان والفوران المعروفة بعد الانقلابات, وهذه مهمة مجتمع ومؤسسات تشريعية وليس مهمة فرد او جهة او صحيفة معينة وتحتاج الى زمن وجهد شاق وطويل. الخيار الثاني هو ان يبوء الانقلاب التصحيحي بالفشل, فلا يعود المحاربون للثكنات ولا ينصلح الامر نهائيا, ونعود لما بدأنا به عندما قلنا (خطوة للامام وخطوتان للخلف) وهذا ما يجب ان ننتبه له ونحذر منه, لان نتائجه ستكون مأساوية فعلا. لن نخوض في موضوع المؤتمر الصحفي الذي لم تنشر وقائعه على صفحات الجرائد المحلية ولكننا نقول: ان ما قالته (الشرق الاوسط) صحيح تماما حيث ان مؤتمرا صحفيا يخوض في مياه الفيضان الحاصل لابد ان يتابعه افراد المجتمع الذين كانوا ينتظرون نتائجه ليعرفوا وليسمعوا بغض النظر عن طبيعة ما سيقال, لكن ان يتم التعتيم عليه, وان نقرأ تفاصيله في جرائد العالم الخارجي, فهذه اول ضربة حقيقية لمشروع الحرية المنتظرة.