قبيل اربعة شهور فقط من اعلان استقلال السودان في عام 1956 كانت بداية الكارثة العظمى المسماة بالتمرد في جنوب السودان والتي تواصلت كحلقات متسلسلة احدثها حركة قرنق الراهنة.كان تمردا عسكريا قام به ضباط وضباط صف وجنود في(حامية الاستوائية)وأفرز مذبحة ذهب ضحيتها اكثر من ثلاثمائة من المدنيين الشماليين المقيمين في الجنوب من اداريين وتجار ومعلمين وموظفين مع أسرهم من النساء والأطفال. ورغم ان الحركة قمعت بسرعة الا ان بعض قادتها العسكريين الجنوبيين وبعض من تواطأ معهم من رفاقهم المدنيين تمكنوا من الهروب عبر الحدود الى يوغندا وكينيا. ولم يمض وقتاً طويلاً حتى أنشأوا تنظيما سياسيا وعسكريا في المنفى برعاية ومساعدة الجمعيات الكنسية المسيحية العاملة في يوغندا وكينيا. هذا الارتباط المبكر جدا بين حركة التمرد منذ انشائها للمرة الأولى, وبين الهيئات المسيحية الغربية يظل قائما حتى اليوم كمنطلق محوري للتوجه السياسي للحركة من حيث انه بالضرورة الحتمية ينهج منهجا عدائيا ضد انتشار الاسلام في شرق افريقيا عامة والجنوب السوداني بصفة خاصة. لقد رأينا كيف فقدت الهيئات الكنسية نفوذها الثقافي المسيحي في الجنوب عند آواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات عندما وضعت حكومة ائتلافية حزبية يدها على المدارس الكنسية لتخضع لاشراف السلطة التعليمية المركزية.. وعندما توسعت حكومة الرئيس عبود العسكرية في الأمر فعمدت الى تصفية وجود القساوسة المدرسين من ايطاليين وبريطانيين وامريكيين. ويسجل لنا تاريخ قضية جنوب السودان ان المؤسسة المسيحية الغربية ظلت منذ ذلك الحين ولمدى سنين طويلة تتوق الى اليوم الذي تستطيع فيه استعادة نفوذها التثقيفي في جنوب السودان للمضي في نهجها لخلق تتخذ من جنوبية تتخذن العداء للعروبة والاسلام عقيدة. ولمدى سنين طويلة حتى اوائل السبعينيات فشلت كل عروض الحل السياسي لقضية الجنوب التي كانت تتقدم بها الحكومات السودانية المتعاقبة لا لسبب الا لان المؤسسة الكنسية الغربية كانت تفرض على قيادات التمرد المتعاقبة رفض اي حل لا يتضمن السماح بأن تسترد الجمعيات المسيحية سيطرتها على التعليم في الجنوب. هنا يبرز تطور مثير في السياق التاريخي للمشكلة. ففي عام 1972 فوجئ العالم بقبول حركة التمرد صيغة حل سياسي اخيرا على اساس منح الجنوب حكما ذاتيا في اطار السودان الموحد. ولم يكن الاتفاق بين الحركة (بقيادة جوزيف لاقو) وحكومة الرئيس نميري والذي عرف باسم (اتفاقية اديس أبابا) في حد ذاته مصدر الاثارة. كان التساؤل المثير هو: لماذا قبلت قيادة الحركة في عام 1972 ما رفضته بعناد في عام 1965 ثم عام 1969؟ والاجابة هي ان سيناريو مفاوضات اتفاقية اديس ابابا كان من اوله لاخره من تأليف واخراج المؤسسة المسيحية الغربية. وعلى هذا الاساس تمكنت هذه المؤسسة اخيرا من استعادة نفوذها المفقود لمدى عشر سنوات. فمن البنود الارتكازية لاتفاقية اديس ابابا للحكم الذاتي بند ينص على فصم التعليم في الجنوب من سلطة الحكومة المركزية لاسناد مسئوليته مرة اخرى الى الجمعيات الكنسية. وهذا مما يفسر لنا لماذا تم رفض صيغة الحكم الذاتي نفسها في مؤتمر (المائدة المستديرة) عام 1965 وعندما عرضت مرة اخرى بواسطة حكومة نميرى نفسها في عام 1969.. لانه في كلتا هاتين الحالتين لم يكن الطرف الشمالي على استعداد لقبول عودة النفوذ التعليمي الكنسي. وسنرى لاحقا كيف كانت مفاوضات اتفاقية اديس ابابا في عام 1972 تظاهرة مسيحية غربية شارك فيها الرئيس نميري بحماسة فور تحوله من صديق للمعسكر الاشتراكي العالمي الى عميل للغرب.