بقيام رئيس الاركان الباكستاني بعزل رئيس الوزراء نواز شريف والاستيلاء على السلطة اضيف سبب جديد قوي لاعتبار شرق اسيا منطقة قلاقل سياسية شديدة الخطورة, ففي اقصى الشرق تقف كوريا الشمالية ضد اتجاه الزمن وتصر على السير في طريق حيازة ترسانة ضخمة من اسلحة الدمار قادرة على تهديد امن ومصالح اطراف عديدة اسيوية وغير اسيوية, وفي اندونيسيا تتوالى فصول مشكلة لم تكن لتظهر بهذا الحجم لولا الازمة الاقتصادية الضخمة التي ضربت شرق اسيا في العام الماضي. وعلى امتداد هذه الرقعة تترنح الديمقراطيات الوليدة في منطقة من العالم اكتسبت الاوضاع السياسية فيها صفة الخطورة الشديدة, فبين ما نيمار (بورما سابقا) الواقعة تحت حكم عسكري شمولي صارم وكوريا الشمالية ذات النظام الشيوعي المتطرف يمتد حزام جغرافي يجمع بين دوله مشترك سياسي رئيسي هو غياب الديمقراطية, واحيانا وجود ديمقراطية هشة, ومع كل محاولة غربية لجر هذه الدول في طريق تبنى الصيغة الغربية للديمقراطية تستفز الانظمة الشمولية الحاكمة في هذه الدول كل ما يكن مواطنوها من عداء للغرب. وتلعب الروح الوطنية دورا رئيسا في تقويض فرصة تطور الديمقراطية ونموها, ففي الحالة الاندونيسية حاولت المؤسسة العسكرية استغلال قبول الرئيس حبيبي انفصال تيمور لتصوره مفرطا في وحدة البلاد وسيادة الدولة, وفي الحالة الباكستانية انطلق المحللون يربطون بين موقف نواز شريف في الاضطرابات الاخيرة التي شهدتها منطقة كشمير وكادت ان تتحول الى حرب باكستانية هندية, الاكثر اثارة في المشهد الباكستاني عقب الانقلاب مباشرة خروج انصار رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو يؤيدون الانقلاب باعتباره نهاية لحكم المنافس التقليدي نواز شريف. ويؤكد هذا ان الديمقراطية في شرق اسيا لا دعائم لها وانها معرضة في اية لحظة لانقلاب عسكري يخلف حكما عسكريا. واذا كانت الولايات المتحدة قد تحركت لتحجيم مطامح المؤسسة العسكرية في اندونيسيا فانها قد لوحت بأوراق ضغط لا تملك مثلها في حالة باكستان, فالاستثمارات البالغ حجمها 164 مليار دولار كانت ورقة ضغط مهمة كما ان حاجة اندونيسيا للمساعدات الاقتصادية ساعد في تطويق مشروع الانقلاب على الحكم المدني. الحالة الباكستانية اعقد واخطر فهذه الدولة الفقيرة نجحت في استغلال مجموعة من التناقضات في المصالح الدولية والاقليمية في المنطقة (امريكا ـ الصين ـ الهند) وانضمت الى النادي النووي, وحيازة الباكستان لهذا السلاح كان مؤشرا على تغير وضعية علاقتها بالولايات المتحدة حيث التفاوض والتفاهم المرن مرشح لأن يحل محل منطق الضغط والعقوبات الصارمة الذي تتبعه الولايات المتحدة في الحالات المماثلة, حتى العقوبات التي فرضتها بالفعل هي نوع من الضغط بقفاز حريري. واخطر ما في انقلاب الباكستان انه قد يحاول حل ازمة الشرعية التي يعانيها بمغامرة عسكرية ضد الهند ليكسب تعاطف الشارع الباكستاني وليعزز في وعي الشارع الباكستاني ان نواز شريف خضع للضغوط الامريكية على حساب الامن الوطني الباكستاني, مثل هذه السبل لاكتساب الشرعية مكلفة, كما ان انتصار العسكريين الباكستانيين قد يدفعهم للتحالف مع اعداء الولايات المتحدة كنوع من الضغط عليها لتعترف بشرعية النظام الجديد, لكن هذا الاتجاه اذا اقترب من افغانستان والجماعات الاصولية المعادية لامريكا فيها فسوف يمس وترا ملتهبا عند صانع القرار الامريكي الذي يعتبر اخطر مايهدد الامن القومي الامريكي على الاطلاق هو حصول الجماعات الاصولية المعادية لها على اسلحة غير تقليدية, ومجرد ورود هذا الاحتمال ولو كفرض مستبعد سوف يستنفر في الولايات المتحدة ردود افعال بالغة القسوة للتخلص من هذا النظام العسكري المدجج باسلحة نووية في منطقة تغلي بالتوترات وتشكل اهمية خاصة لمصالح الولايات, انه فيل يتحرك في محل خزف, ومالم يتعهد العسكريون بشكل قاطع باعادة الحكم المدني فسوف يخسرون كثيرا, وسوف تخسر باكستان اكثر. ممدوح الشيخ