اليوم تفتح قاعات مجلس الامة مجددا, معلنة بدء انعقاد الدور الثاني في الفصل التشريعي التاسع, بعد ان كان الفصل الثامن قد تمخض عن فشل في الممارسة ادى الى حل المجلس والدعوة الى انتخابات جديدة. وبعد اعلان النتائج انعقد المجلس الجديد لبضعة اسابيع في دورة قصيرة , تم فيها انجاز عدد من القوانين التي صدرت بمراسيم, ثم قام باجازته السنوية بعد صيف حار زادت من قيظه سخونة المنافسات الانتخابية. وقد حقق المجلس, في الفترة التي مضت, بعض النتائج الطيبة عمليا, مما ترك ارتياحا عاما حول جدية توجهاته, كما دعا بعض النواب الى جلسة استثنائىة طارئة في اثناء الاجازة الصيفية, ولم تسفر المحاولات المبذولة عن نجاح. بدأ المجتمع في الكويت منذ اليوم تلمس اعمال المجلس الجديد بشكل اكثر جدية وفاعلية, وفي الاشهر القليلة المقبلة سيتطور موقف الرأي العام, اما بقبول ايجابي لاعمال المجلس او بنقد متواصل لهذه الاعمال, ولأن الموضوع كله سياسي فقد تتعدد وجهات النظر وتختلف الى درجة التشتت. الا ان المطلع يستطيع القول ان النصوص سواء في الدستور او اللائحة الداخلية تبلغ درجة عالية من الاحكام, ولكن تظل طريقة تفعيل هذه النصوص والافادة منها في تحقيق اقصى قدر من المصالح العامة, هي المحك الرئيسي الذي يتميز من خلاله القائمون على كل من الهيئتين التشريعية والتنفيذية. لعل المتابع لتركيبة المجلس الحالي يلاحظ وجود العديد من الكفاءات التي اكتسبت المزيد من الخبرة والتمرس في العمل العام, وهي قادرة ـ اذا تجاوب معها البعض ـ على تقديم اجندة اولويات, في الدورة التي بدأت اليوم, تقود الى تحقيق بعض النتائج المجتمعية, وتقدم دليلا على ان التجربة الطويلة التي مررنا بها لما يقارب العقود الاربعة من الحياة البرلمانية, هي تجربة في طريقها الى النضج, حيث يقاس العمل السياسي دوما بالنتائج وليس بالنيات. ومن بين القضايا المطروحة على الساحة الآن قضية المراسيم بقوانين, وهي القضية التي نظر اليها بعض المتشائمين من المحللين الصحافيين نظرة سلبية انعكست في تسميتهم للخلاف حولها بـ (معركة المراسيم) وقد انقسمت الآراء حول هذه (المعركة) ـ حسب تسميتهم ـ الى موقفين متناقضين, احدهما تمثل في القبول الكامل بينما تجسد الآخر في الرفض الكامل, ولكننا نلمح هناك ـ بين هذين الموقفين ـ وجهة نظر تنادي بحل وسط ومعقول, يتمثل في تحويل المراسيم بقوانين الى اقتراح بقانون ثم يمر من البرلمان باجراء عادي. هذا الاقتراح ربما يكون هو الذي سوف يرى النور في نهاية المطاف, خاصة اذا علمنا ان العديد من المراسيم بقوانين هي قبيل الامور التنظيمية العامة. وربما كانت القضية الاهم بين كل هذه المراسيم, المرسوم بقانون بمنح المرأة الكويتية حقها في ممارسة الانتخاب والترشيح, وهو امر مشروع يتسق مع الدستور, كما انه ان تحقق في الكويت فستكون له دلالات كبيرة تضاف الى رصيد مسيرتنا السياسية والتطور السلمي الى الافضل, والى قدرة آليتنا الديمقراطية على تحقيق المنجزات. اقول ذلك لسبب مهم, هو ان دارسي تاريخ نيل المرأة العربية لحقوقها السياسية سوف يرون ان هذه الحقوق لم تتحقق الا بعد تغيير جذري تم في المجتمع, ففي مصر وايران واليمن وغيرها لم تحقق المرأة انجازات تذكر في المجال السياسي الا بعد انقلاب في المجتمع, سمي في بعض الاوقات (ثورة) . وهناك بلاد عربية قليلة منها الاردن والمغرب, وهذه الكويت, تحقق هذا الانجاز الحضاري بشكل سلمي ومن خلال آلية ديموقراطية. من الملاحظ ايضا بعد قراءة سيل الاسئلة والاقتراحات التي نشرت في الصحف ان بعضها متناقض الى حد لافت للنظر, ولسنا نرى التناقض بحد ذاته عملية سلبية, حيث ان افراد المجلس يمثلون في نهاية المطاف قطاعات متباينة ومشارب متعددة من المجتمع, وبالتالي فان اولوياتهم تختلف باختلاف هذه المشارب, كما ان منطلقاتهم تتباين بتباين خلفيات القطاعات التي يمثلونها. ولكن الملاحظ ان هذا التناقض يمس بعض القضايا الرئيسية مثل الحريات, ففي الوقت الذي يطالب فيه البعض بتغيير جذري في قانون المطبوعات لتعزيز الحريات, حيث لم تعد بعض نصوصه تواكب التطور الدستوري او التطور المجتمعي, وكذلك يطالب البعض في الاتجاه نفسه بتخفيض سن الناخب الى الثامنة عشرة, ازاء هذا نرى البعض, في الاتجاه الآخر, يقدم اقتراحات ترمي الى التضييق على الحريات مثل المطالبة بعدم اقرار حقوق المرأة السياسية, او ملاحقة بعض وسائل الاعلام والاتصال, للحجر على بعض موادها. لعل الموضوع الاهم في الدورة التي تبدأ اعمالها اليوم هو الملف الاقتصادي, وهو ملف متداخل, فيه من الاقتصاد جزء, من التعليم واصلاح الادارة العامة اجزاء اخرى. فللمرة الاولى في تاريخ الكويت الدستوري يبقى العديد من خريجي المؤسسات التعليمية خارج سوق العمل بانتظار التوزيع على المؤسسات, وهو اجراء قد يكون مفيدا مؤقتا لمعالجة مشكلة قائمة, لكنه يجب الا يتحول الى مشكلة دائمة. والحل ليس في التوظيف العاجل, ولكنه يكمن في حزمة خطوات منها اصلاح التعليم الذي اشتكى منه المجتمع لفترة طويلة, وبالمناسبة فان وزير التربية والتعليم العالي الدكتور يوسف الابراهيم لديه خطة طموح عرضها في الاجتماع الاخير لمجلس التعليم, وهو يحتاج الى عدد من الخطوات التعضيدية لتمكينه من اداء مهمته دون منغصات, وهذا التعضيد منه ما له علاقة بالتمويل السخي, ومنه ما له علاقة بالاتفاق على ان هذه الحلول ليست قابلة للتطبيق في زمن قصير, او بتدخلات سياسية آنية ضيقة, ومصالح خاصة. اما الاصلاح الاداري فاولى خطواته الامتناع عن التدخل غير الموضوعي من جهات عدة في الجناح التشريعي او التنفيذي مما يعطل الاصلاح, والعمل على احلال الشخص المناسب في المكان المناسب, ما امكن ذلك, بناء على عمل مؤدى لا على مجاملات مستحقة. ولعل موضوع الاقتصاد هو الموضوع الاهم بمعناه الشامل, والفكرة هنا: هل سياسة الانكماش هي المطلوبة في الوقت الحالي ام المطلوب سياسة اخرى تأخذ بعين الاعتبار حاجات المجتمع التنموية؟ لفقد ساد التفاؤل منذ سنوات قليلة بان الميزانية في طريقها الى التوازن, وكنا قاب قوسين او ادنى من ذلك, ولكن مع الانخفاض الكبير في اسعار النفط خلال السنتين السابقتين لهذا العام تحولت السياسة الاقتصادية والمالية الى سياسة انكماشية, في ظل الخشية من استمرار التردي في اسعار النفط لفترة طويلة, ولقد عادت هذه الاسعار الى الصعود من جديد. السؤال المطروح هو كيف يمكن ان نحقق سياسة اقتصادية تنموية دون الدخول من جديد في الهدر الذي وقع سابقا؟ تلك قضية لا تستطيع الحكومة وحدها دون مساعدة من المجلس ان تقدم اقتراحا متوازنا بشأنها, حتى لا يقتل الذئب ولا يفني الغنم, كما يقول المثل العربي. ومما يشجع على احتمال الوصول الى سياسة مالية واقتصادية تنموية وجود عدد من القادرين على فهم الموضوع والاحاطة به فنيا في المجلس الحالي, وعليهم تقع مسئولية اقناع زملاء آخرين بأهمية هذا الاستثمار لاستقرار المجتمع, فلن يستطيع القطاع الخاص, مهما قلنا بشأنه ان ينهض وحده دون ان تعينه سياسة اقتصادية مالية تنموية تضخ في عروقه دماء الانتعاش, بعد ان شهدت في السنوات القليلة الماضية شيئا من الظمأ. يبدو ان المزاج العام في الكويت هو مزاج ينحو باتجاه التصالح والاعتدال, والنظر الى معالجة المصالح المرسلة لعموم المواطنين, حتى لو تم ذلك مصحوبا ببعض الالم المؤقت في سبيل خير قادم. وليس الشد السياسي من جهة وتسييس كل القضايا المطروحة بين مؤيد ورافض هو المطلوب, خاصة ان هناك من سبقنا في هذا المجال, وفي التجربة الديموقراطية, ولديه تعبير يسمى (الباي بارتزان) أي التوافق الحزبي على قضايا مصيرية للوطن والمواطن, هذا التوافق الذي نريد من بعض الاخوة الذين لا تنقصهم الشجاعة الادبية في المجلس العتيد ان يتقدموا لرفع رايته. فالسياسة كالدواء, هي مفيدة اذا اخذت بمقدار لا يتجاوز حدود قدرة المريض, وهي قاتلة ـ أو على الاقل ضارة ـ ان تجاوزت الجرعة المناسبة. فمن الدواء ما قتل قتلا حقيقيا. ولكن في السياسة القتل معنوي, يتجاوز الافراد... ليصل الى الجماعات والمجتمع.