صفحة الرأي:أفراح الانجال .. وزواج السلطة بالثروة، بقلم جلال عارف

في أول اجتماع للحكومة المصرية الجديدة برئاسة الدكتور عاطف عبيد صدرت عدة محرارات تنظيمية لم يتوقف الكثيرون عند معظمها باعتبارها من المبادئ العامة التي ينبغي ان تحكم أي سلطة, فالحديث عن الطهارة ونظافة اليد أمر بديهي فيمن يتولى المسئولية , والحديث عن توزيع المسئولية وعدم انفراد رئيس الحكومة بها شيء طبيعي وان كان لا يتحقق في الواقع العربي, والحديث عن الاهتمام بالمواطن وتوفير الخدمات واصلاح الادارة هي (روشتة) تتكرر كثيرا ولا يفقد الناس الامل في ان تأتي باثارها يوما ما. الجديد الذي توقف الناس عنده هذه المرة هو قرار الحكومة الجديدة بضرورة الابتعاد عن المشاركة في اللقاءات والمناسبات التي يقيمها الافراد والشركات والتي تكتنف بالبذخ والرفاهية, بما يدفعهم للحد منها) . هذا القرار الذي توقف الناس عنده يعكس واقعا اصبح مثيرا للقلق ومثيرا للشبهات في وقت واحد. ولعل مواجهة هذا الواقع قد تأخرت كثيرا, ولعلها تكون جادة هذه المرة, فلا تتراجع امام سطوة هذه الفئة التي طفت على سطح الحياة المالية والاجتماعية في السنوات الاخيرة, لتجسد أسوأ ما جاء به الانفتاح الاستهلاكي او انفتاح السداح مداح كما سماه كاتبنا الراحل الكبير احمد بهاء الدين. هذه الفئة التي تكونت في ظل الانفتاح الاستهلاكي تنامت ثروتها بسرعة فائقة وبدون جهد يذكر. لم تنشئ المصانع ولم تتح فرص العمل التي تحاصر شبح البطالة الرهيب, ولكنها لجأت لأسهل الطرق. المضاربة على الاراضي والعقارات, والمتاجرة في الممنوع, واستيراد الاغذية الفاسدة او منتهية الصلاحية, الجمارك والتحايل على الضرائب, وضرب الصناعة الوطنية في مقتل باستيراد زبالة البضائع وطرحها في الاسواق باسعار متدنية. وهذه الفئة وفي معظمها, كانت بلا ثقافة حقيقية, وبلا منهج للعمل ـ وبلا رؤية للمجتمع ولا حتى لوضعها فيه. ولكنها اكتسبت القوة التي مكنتها من فرض سلوكها وقيمها على المجتمع (وما ابشعه من سلوك, وما ابأسها من قيم) ! وهكذا .. سادت قيم !! (الفهلوة, والافراط في الفردية, والافراط في الاستهلاك, والتباهي بالثراء.. بمناسبة وبدون مناسبة, والانفاق المظهري بصورة تستنفر الجميع, خاصة في مجتمع مثل المجتمع المصري تعود على التكافل والتزم بالوسطية على مدى التاريخ, ورفض دائما التطرف الديني والسياسي والاجتماعي. والمصيبة ان بعض هؤلاء من مليونيرات الانفتاح الاستهلاكي استطاعوا العبور الى ميدان رجال الاعمال الكبار, ولكنهم احتفظوا بكل ما ورثوه من قيم وسلوك. لتتحول الحالات الفردية الى ظاهرة عامة حذر منها الكثيرون ولم يسمع احد, حتى انطلقت صفارات الانزار من منتجع (مارينا) على الساحل الشمالي, لتنبه الى خطورة الموقف, والى حالة الغيبوبة التي يعيش فيها هؤلاء الذين تصوروا انهم امتلكوا الارض وما عليها, فامعنوا في سلوكهم الاستفزازي الى حد اصبح ينذر المجتمع بأفدح الاخطار. فلم يكن معقولا في مجتمع تمثل البطالة فيه قنبلة موقوته, وتناضل فيه الاغلبية لتأمين الضروريات لحياتها, أن تنفق الملايين من الدولارات في استيراد الكماليات, ولم يكن معقولا في وقت تحتاج فيه مصر الى كل قرش لتوفير فرص العمل للشباب, ولانجاز شيء حقيقي في المشروعات الكبيرة مثل توشكى وشرق السويس وسيناء.. ان تفتح ابواب الاستيراد على مصراعيها, ليتم استيراد الايس كريم وطعام الكلاب و ... احذية القطط! ومع ذلك فالجانب الاقتصادي هو الاقل اهمية من الجانب الاجتماعي, والذي ظهر مبكرا منذ عشرين عاما, وعندما انفجرت احداث الامن المركزي في الثمانينيات نبه الكثيرون الى خطورة ما يحدث من سلوك استفزازي تأثر به الجنود الذين يحرسون الفنادق ويرون امام عيونهم صورا من البذخ والسفاهة تصطدم بواقعهم البائس. ومع ذلك استمرت مسيرة البذخ والسفاهة, وان حاول اصحابها تضييق مسافات الاحتكاك بباقي المجتمع, باقامة (المعسكرات) الخاصة كما حدث في (مارينا) او بانشاء الملاهي والمطاعم شديدة الخصوصية باذخة الثراء لتكون لهم وحدهم. ولكن ذلك لم يكن يسعد هذه الفئة.. لأن التباهي والتفاخر هو احد اهم مقومات, ثقافتهم!! (ولذلك لابد من اقتحام المجتمع ليشهد الجميع على انهم الاكثر ثراء.. والاكثر انفاقا.. والاكثر سفاهة!! وفي السنوات الاخيرة اصبح الامر خطيرا بالفعل. وشاهدت فنادق القاهرة وملاهيها حفلات ولا الف ليلة, واصبح هناك متخصصون في اقامة الافراح والليالي الملاح لا يكتفون بالانتاج المحلي في الاكل او الشرب او الرقص او الغناء.. بل الاولوية للانتاج الاجنبي في كل شيء.. فرق الرقص تستورد من اوروبا وأمريكا اللاتينية وغير اللاتينية, والاكل من باريس, والمطربون والرقصات حسب الطلب, والمدعوون يأتون بطائرات خاصة, والمصروفات بلا حساب! والقصص هنا لا حدود لها.. من اول تاجر الفاكهة الذي انفق على فرح ابنه مليونين ونصف من الجنيهات, الى ذلك الذي استورد زهورا لفرح ابنته بمائة وخمسين الف دولار, الى زفة العروسة التي تقوم بها فرقة اجنبية تتكلف اكثر من مائة الف دولار. وذات يوم اقسم لي كاتب كبير انه شاهد حفلات زواج شاه ايران السابق بكل بذخها, ولكنها تتواضع كثيرا امام ما شاهده في احد الافراح بمدينة الاسكندرية. بينما روى يلي مؤخرا احد الزملاء كيف شاهد الاتفاق على احد هذه الافراح بين الاهل ومتعهد الحفلات الذي ظل طوال الجلسة يشكو من انه مغلول اليد ولا يستطيع ان يفعل الكثير بهذه الميزانية الفقيرة المخصصة للاحتفال والتي لا تزيد على مليونين من الجنيهات! ولان السفاهة لا حدود لها, فقد تطور الامر بعد ذلك, وبعد حفلات الافراح شهدت هذه الاوساط احتفالات بالطلاق واحدها اقامه رجل اعمال مع مطلقته الفنانة بقصره بالاسكندرية, ويقال ان تكلفته لم تتعد ثلاثة ارباع المليون.. من باب التقشف! حيث شرب الجميع وأكلوا ورقصوا بمناسبة الطلاق الميمون! ولان رزق الهبل على المجانين كما يقولون, فقد دخلت بعض الفنانات الميدان, واصبح الاحتفال باعياد ميلادهن الذي يتم عدة مرات كل عام ... مناسبات يتبارى في الانفاق عليها رجال الاعمال.. ولم تكن السفاهة وحدها هي المحرك في بعض هذه الاحتفالات, وانما المصالح ايضا.. حيث يتم التعارف وتعقد الصفقات بعيدا عن الاجواء الرسمية! وهكذا كان وجود الوزراء والمسئولين في هذه الحفلات مثيرا للقلق والشبهات في وقت واحد. مثيرا للقلق.. لأن وجودهم يعطي شرعية لمثل هذه التصرفات السيئة والانفاق غير الرشيد. ولأن الناس الذين يشكون من سوء احوال الادارة الحكومية في الكثير من النشاطات سوف يكون من حقهم ان يطالبوا المسئولين عنها بالتفرغ لمهامهم بدلا من السهر حتى الفجر في مثل هذه الحفلات! والامر ايضا اصبح مثيرا للشبهات, فصور رجال الاعمال مع الوزراء والمسئولين في هذه الحفلات اصبحت تملأ الصحف والمجلات. والعلاقات بين السلطة والثروة تزداد توثقا. وعندما يسهر رجل الاعمال ورجل البنوك ووزير مسئول على مائدة واحدة يستمتعون بالرقص والغناء, ثم يتهم رجل الاعمال بعد ذلك بانه حصل على قروض بمئات من الجنيهات, فلا شك ان علامات استفهام كثيرة سيتم طرحها. وعندما يسهر المسئولون مع رجال الاعمال, ثم ينتهي الامر بالفوز بمناقصة او عقد صفقة او الحصول على توكيل, فان الشبهات ـ حتى ولو كانت غير حقيقية ـ ستلقي بظلالها على كل شيء. وحتى لو كان الوزراء والمسئولون غير متورطين, فلا شك ان العلاقة بهم سيتم استغلالها من رجال الاعمال اسوأ استغلال. ولعلنا نذكر هنا ان نصف مأساة الريان وشركات توظيف الاموال, جاءت من مشاركة المسئولين في افتتاح مشروعاته الوهمية... الأمر الذي منحه المصداقية وساعده في الاحتيال على البسطاء وغير البسطاء. ان اخطر ما تواجهه مجتمعات مثل مجتمعاتنا هو زواج السلطة مع الثروة, خاصة اذا كانت السلطة قوية وواسعة الاختصاصات, واذا كانت الثروة مغامرة وغير رشيدة, وفي الكثير من الاحيان.. غير منتجة. واذا كان قرار منع الوزراء من حضور هذه الاحتفالات الباذخة يمثل خطوة ايجابية, فان خطوات اخرى ينبغي ان تلحق بها, اذا اردنا بالفعل تطويق الآثار الضارة للسلوك السفيه لهذه الفئة من الاثرياء الجدد, واذا اردنا بالفعل محاصرة الفساد والافساد, واذا كنا جادين في تطبيق البرنامج الاجتماعي الذي طرحه الرئيس مبارك عشية الاستفتاء على انتخابه لولاية رئاسية رابعة. ذلك البرنامج الذي يعلن الانحياز للفقراء, ويطالب بالتزام معايير متشددة للطهارة ونظافة اليد, ويعطي للتنمية البشرية مكانها المستحق على برنامج الحكومة. ان قرارا آخر يمنع الابناء والزوجات والاخوة الاصهار من التعامل مع الجهة التي يعمل بها المسئول او يتحكم في قراراتها لابد ان يصور فمعظم كليات الفساد والافساد التي تم الكشف عنها تتم عن هذا الطريق. وما تم الاعلان عنه كثير, وما سيتم الاعلان عنه اكثر او احيانا يكون المسئول مشاركا, واحيانا يكون ضحية لفساد المحيطين به, او لافساد الآخرين لهم! ثم ان محاسبة علنية لثروات المسئولين قبل وبعد توليهم المسئولية لابد ان تتم, وبمنتهى الشفافية والوضوح. ان اقرارات بالذمة المالية للمسئولين وعائلاتهم لابد ان تتقدم مع توليهم المسئولية, وبعد خروجهم منها. ان قانون (من اين لك هذا؟) موجود ولكنه لا يطبق كما ينبغي, ويكتفي فيه بالأوراق الصورية. ان تشديد الحكم على معايير الطهارة ونظافة اليد في اختيار الوزراء والمسئولين الجدد, لا ينبغي النظر اليها على انها ـ فقط ـ اقرار بما ينبغي ان يكون في حكومة مسئولة, ولكنها ينبغي ـ ايضا ـ ان تكون رسالة للجميع بان اجراءات تطويق الفساد لابد ان تشمل المجتمع كله. ايضا, فان قرار منع الوزراء من المشاركة في الاحتفالات الباذخة السفيهة, لا يمكن ان يكون هدفه ـ فقط ـ هو الحفاظ على المظاهر الرسمية, ولا حتى البعد عن مواطن الشبهات فقط. انه رسالة اخرى للفاسدين والمبذرين والسفهاء بان بعض العقل مطلوب في هذه المرحلة, والكثير من ترشيد السلوك لابد منه, كما انه رسالة للمجتمع كله بضرورة التوجه للانتاج وليس الافراط الاستهلاكي, وتكوين القاعدة الصناعية والعلمية اللازمة لذلك. ولا بأس من بعض الغناء الراقي والهابط, وحتى بعض هز الوسط في الافراح والليالي الملاح.. بشرط الا تكون طريقا للصفقات المشبوهة, او استعراضا للسفاهة في الاستهلاك. فهل تصل الرسالة ؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات