استمع مصبح سعيد بخيت رئيس النيابة في دبي هذا الاسبوع إلى اقوال كل من رئيس تحرير احدى صحفنا الناطقة بالانجليزية, وإلى اقوال محررة بالصحيفة, وذلك في نطاق تحقيق في بلاغ بالسب عن طريق النشر, تقدم به طبيب يعمل بأحد المستشفيات الخاصة, فنقدر للطبيب الذي لا نعرف لجوءه إلى القضاء عبر قنواته لاخذ حقه , ولنعتبر البلاغ من الان قطرة في سياق تدشين علاقة صحيحة وصحية بين الصحافة والمؤسسات والناس, قوامها القانون والقضاء. وبما ان الصحفي مهما اتخذ من احتياطات وحذر ومهما تسلح بمعلومات ووقائع عرضة كغيره من العاملين للوقوع في الخطأ, كما انه بشر غير معصوم من الاهواء والزلل, فان اخذ الحق منه عن طريق اللجوء إلى القضاء هو امر حضاري مطلوب, بل انه في سياق نشوتنا باتساع هامش الحرية, شكل من اشكال الحماية والضمانات المطلوبة لهذا الصحفي, لكي يكون مطمئنا في عمله. ولن نذكر بممارسات سابقة لمسئولين على مر السنوات نكلت بصحفيين إما عن طريق طردهم من مؤسساتهم الصحفية أو منعهم من العمل أو ممارسة ضغوط عليهم للاعتراف بمصادر اخبارهم إلى درجة الارهاب الحقيقي, فذلك نعده مما مضى وعفى عليه الزمن, فعفا الله عما سلف ونحن ابناء اليوم, الذي نريد ان يواكب فيه الحديث عن حرية الصحافة, اتخاذ القضاء وسيلة للقصاص من الصحفي في حالة ارتكابه جريمة نشر, ايا ما تكون هذه الجريمة, وأيا ما تكون الجهة المتضررة, وزارة أو دائرة أو مؤسسة أو فردا. وبطبيعة الحال فان الصحفي في هذه الحالة يحتاج إلى دعم ومساعدة من مؤسسته الصحفية التي يعمل بها, خاصة في غياب جهة نقابية كجمعية للصحفيين, اضافة إلى كون الصحيفة الناشرة شريكة اساسية في تحمل المسئولية, فتقوم معه لا عليه, بالمؤازرة والدعم وتكليف من المحامين من يستطيع الدفاع عنه, حتى يثبت القضاء وحده, مسئولية الصحفي من عدمها, فجنايته أو براءته, وفي الحالين, فانه بريئاً كان ام غير بريء, يجب الا يمس ذلك عمله وعودته إلى عمله, فنحقق بذلك مقولة انصروا صحفييكم ظالمين أو مظلومين. اما حساب المؤسسة الصحفية مع صحفي فيها ارتكب خطأ أو جريمة نشر بعد الحكم القضائي فيها, فتلك مسألة داخلية, مع ذلك ينبغي الا تتجاوز حدود قانون العمل من لفت النظر إلى الانذار فالخصم من الراتب أو النقل وما إلى ذلك, من دون الوصول إلى مستوى انهاء الخدمة, لان هذا السيف المسلط اليوم على رقاب صحفيينا ممن لا يجدون ادنى حماية, لا من مؤسساتهم التي يعملون فيها ولا من مؤسسات المجتمع, هو اكثر ما يرهبهم, ويجعل بيتهم من زجاج حقا, فكيف يمكن لمن بيته من زجاج وهو اخوف على لقمة عيشه من ان يكون حرا فيمارس حرية صحفية منشودة؟ وعودة إلى الاخطاء الصحفية, من عدم دقة المعلومة إلى عدم التأكد من صحة خبر ما إلى تحريف تصريحات لمسئول إلى نشر تصريحات ليست للنشر وما إلى ذلك كثير مما يمر علينا كل يوم تقريبا, فهذه الاخطاء ليست مسئولية الصحفي وحده, صغر الخطأ أم كبر, لانه من المفترض ان الخبر يمر بمراحل فلترة كثيرة ومراجعات, ما يجعله مسئولية مشتركة في الصحيفة على اكثر من طرف, فتكون مسئوليته, أي الخطأ, من مسئولية الصحيفة. وهكذا, فان ثمة قواعد مهنية راقية واسسا لعملنا الصحفي تصبح ضرورية اكثر مع وجود هامش الحرية, وعلى ذلك فان الصحف نفسها مطالبة اكثر من الجهات الحكومية وغير الحكومية بالكشف عما يعتري عملها من نواقص واخطاء وقصور, وان تكون لديها الشجاعة الكافية, لا للاعتراف بهذه الاخطاء وحدها التي عادة ما يدفع ثمنها الصحفي وحده, بل لاصلاحها, فلا يكون الصحفي هو الحيطة المايلة للجميع ولا شماعة يعلقون عليها الاخطاء.