الهيئات الكنسية التبشيرية اقتسمت جنوب السودان على اساس مناطق نفوذ تنفرد كل هيئة بمنطقة معينة منها تقيم فيها كنائس ومدارس. وهذه الهيئات هي: (جمعية آباء فيرونا) الكاثوليكية جمعية التبشير و(الانجليكانية) و الهيئة التبشيرية الامريكية المتحدة . وبعد ان اعتمدت الادارة البريطانية هذا التقسيم صدر (قانون المناطق المغلقة) عام 1920 لتكملة السيطرة المسيحية على الجنوب. وبناء على هذا القانون صار المواطن الشمالي المسلم بحاجة الى (تأشيرة) اذا رغب في زيارة الجنوب لأي غرض. كما تضمنت بنود القانون نصوصا تحظر استخدام اللغة العربية في الجنوب... كما تحظر على المواطنين المسلمين المقيمين هناك (كالتجار الشماليين مثلا) إقامة الصلاة في الاماكن العامة. كان الهدف الاستراتيجي بعيد المدى لهذه السياسة كما ذكرنا فصل جنوب السودان ليكون كيانا مستقلا بعد ان توصلت الادارة البريطانية الى قناعة موضوعية بأن الفوارق الكبرى ـ لغويا ودينيا وعرقيا ـ لا تسمح بدمج اهل الجنوب الوثنيين من اصول زنجية مع اهل الشمال المسلمين من اصول عربية. لماذا إذن لم يفصل الانجليز الجنوب؟ لانهم اكتشفوا بعد عشرين عاما من تطبيق قانون المناطق المغلقة... اولا ان السياسة المعتمدة لم تعط الثمار المرجوة... وثانيا ان جنوب السودان بتركيبته القبلية المتنافرة ومستواه الحضاري الاقرب الى عصر الانسان الاول لا يملك مقومات دولة مستقلة. ولكن رغم ان الادارة البريطانية استبدلت في عام 1947 سياستها بسياسة جديدة تقوم على اساس ان جنوب السودان ليس بوسعه الاعتماد على نفسه اقتصاديا... مما يتطلب دمجه مع الشمال ظلت الهيئات الكنسية باقية تمارس انشطتها عن طريق احتكارها للتبشير واحتكارها على صعيد موازٍ لشئون التعليم في الجنوب. هذا الوضع لم يصبه تغيير الا بعد الاستقلال الوطني للسودان عام 1956. ففي العام التالي قررت حكومة حزبية ائتلافية تجمع بين (حزب الامة) و(حزب الشعب الديمقراطي) (طائفة الختمية) تصحيح الوضع التعليمي الشاذ في الجنوب. فاصدرت قرارا مدويا بتسلم المدارس التبشيرية هناك حيث ضمت الى وزارة التربية والتعليم. وبينما مازالت اصداء احتجاجات المنظمات المسيحية الغربية تتردد على هذا القرار فانها لم تكن لتعلم انها موعودة بمفاجأة لاحقة. ففي عام 1962 اعلنت الحكومة العسكرية آنذاك بقيادة الفريق ابراهيم عبود طرد كافة القساوسة الذين كانوا يعملون في حقل التعليم في جنوب السودان. ولم يكن قرارا بدوافع دينية... فهو لم يشمل اولئك القساوسة الذين كانوا يعملون كوعاظ في الكنائس. ولم يكن قرارا بلا منطق... فقد كان استكمالا طبيعيا لقرار الحكومة الحزبية السابقة بأن تؤول المدارس التبشيرية في الجنوب الى اشراف السلطة التعليمية القومية بموجب مناهج وزارة التربية والتعليم. لذا كان منطق حكومة عبود كالاتي: اذا كانت مدارس الجنوب صارت حكومية قومية... واذا كان لدى الحكومة اعداد كافية, بل وفائضة من المدرسين, فما هو الداعي لابقاء مدرسين قساوسة اجانب؟ لذا فان العاصفة المسيحية الغربية التي هبت في اوروبا آنذاك كرد فعل ضد قرار الحكومة السودانية كانت بلا اي معنى سوى ان المنظمات المسيحية الغربية رأت فيها تحجيما للنفوذ الكنسي في جنوب السودان. ومثل ما يحدث اليوم انطلقت حملة مسيحية غربية شرسة في الصحافة البريطانية والايطالية والامريكية ضد حكومة عبود لكن الحكومة مضت قدما في تطبيق كافة الترتيبات التعليمية اللازمة لإنفاذ القرار فبقيت مدارس الجنوب تحت الاشراف الحكومي حتى الآن. غير ان رد الفعل المسيحي الغربي لم يتوقف.