انقلاب باكستان.. وعودة دور المؤسسة العسكرية في بعض الدول الاسلامية، بقلم خالد عمر بن ققه

ترى, ما الحدود الفاصلة بين ما هو مدني وعسكري في الحياة السياسية للدول الاسلامية؟ ليست هناك اجابة واحدة لتعدد التجارب وتنوعها. غير انه مع ذلك هناك ما يجمع بين تلك التجارب وهو تعذر الفصل بين ما هو مدني وعسكري , وكثيرا ما تلجأ الشعوب هنا وهناك الى المطالبة او تأييد موقف الجيش, وفي التجربة الباكستانية خير مثال. فتلك الدولة ذات الكثافة السكانية الهائلة والموقع المؤثر في العالم الاسلامي, دخلت منذ اعلان قيامها في ـ اغسطس 1947 ـ حروبا متتالية كان للجيش دوما دورا فيها ليس لانه القوة العسكرية التي عليها ان تحسم الامر فحسب, ولكن لكونها ارتبطت وجودا بقوة الجيش, وحروبها جميعا وقعت مع جارتها الهند حول مقاطعة كشمير, وحسب رأي المراقبين فان الانقلاب الذي وقع الايام القليلة الماضية كان على خلفية انسحاب الجيش الباكستاني من مقاطعة كشمير المتنازع عليها, ولا شك ان هناك اسباب اخرى سنذكرها في حياتها, لكن تظل قضية كشمير هي الاساس لاختلاف وجهات النظر بين الحكومة كطرف مدني ممثل للشعب, وبين الجيش كطرف عسكري ممثلا للدولة ومراقبا للقرارات والتغيرات. ان تاريخ باكستان منذ الاستقلال شهد اعمالا عسكرية متتالية اثرت سلبا على مجرى الحياة السياسية, فقد وقعت حرب ثانية بين باكستان والهند بسبب كشمير 1965 اي بعد ثمانية عشر عاما من قيام الدولة الباكستانية ووقعت حرب ثالثة بعد ذلك بست سنوات اي في ,1971 ثم مناوشات بين البلدين في السنة الحالية, وبين هذه الفترات الزمنية اطاح الجنرال ضياء الحق بذو الفقار علي بوتو في 1977 واعدمه في 1979 رغم مطالبة المجتمع الدولي وتوسلاته بالعفو عنه وفي 1988 لقي الرئيس ضياء الحق حتفه عند تحطم طائرة عسكرية, وفي نفس السنة تم انتخاب بنازير بوتو رئىسة للوزراء ثم عزلت بعد ذلك بسنتين ليأتي بعدها رئيس الحكومة الذي اقيل منذ ايام نواز شريف. الملاحظ في التجربة السياسية الباكستانية انه كلما سارت البلاد نحو ممارسة الديمقراطية كلما ترتب عن ذلك زيادة الفساد, وتبدو الحكومة الاخيرة بقيادة نواز شريف اكثر الحكومات من ناحية الرفض الشعبي, المدهش انه بعد عشر سنوات من ابتعاد الجيش بشكل جزئي عن السيطرة او التحكم في العملية السياسية بشكل مباشر عاد الآن من جديد بسبب الفساد, اذن فليس قضية كشمير وحدها, وانما اساسا اداء الحكومة والذي منه بطبيعة الحال الانسحاب من كشمير ومطالبة المقاتلين الكشميريين بالتخلي عن الحرب والبحث في بدائل اخرى, صحيح ان هناك مشكلات اخرى تتعلق بالصراع المذهبي احيانا بين السنة والشيعة والذي ذهب ضحيته عدد من المواطنين, لكن هذا الامر كان توترا ليس طويل الامد, وقابلا للتراجع في كل وقت, ويوظف غالبا للتأثير على القرار والموقف السياسي. اذن ما حدث هناك سببته ظروف بعينها اهمها كما ذكرنا تردي الوضع الاقتصادي وزيادة نسبة الفساد واتساع رقعتها في بلد معدل سن الذين تقل اعمارهم عن خمسة عشر سنة 41% من العدد الاجمالي للسكان, والذين هم في سن التقاعد اي تزيد اعمارهم على 65 سنة يشكلون نسبة 4% والفارق طبعا بين الاجيال واسع, ولتعدد المشكلات الاقتصادية للمواطنين فمن الطبيعي ان تواجه الحكومة مشكلات متعددة يأتي على رأسها الرفض الجماهيري لقراراتها, والا بماذا نفسر ان 75% من مواطنين حسب استطلاعات الرأي العام ذهبت الى تأييد التحرك الذي قام به الجيش. لقد كان منتظرا من قوى المجتمع المدني وخاصة التنظيمات الاسلامية ان تقف ضد الانقلاب, او على الاقل لا تسانده, لكن الامر كان على عكس ذلك تماما, فقد رحبت به معظم الاوساط السياسية باستثناء حزب نواز شريف, وطبيعي ان يحدث ذلك ما دامت القيادة العسكرية قد سارعت الى اتخاذ اجراءات صارمة مثل اعتقال المتهربين من دفع الضرائب ووضعهم في السجن, واطلاق سراح وزراء سابقين, وتكوين مجلس اعلى للأمن بهدف تسيير امور البلاد, اضافة الى ذلك اعلان نوع من الخطاب اللين تجاه الجارة القوية الهند, والولايات المتحدة الامريكية, على اعتبار ان الاولى هي الشريك الاساسي في صنع احداث كشمير, والثانية تقدم مساعدات لباكستان, وقد ادى هذا اللين في الخطاب الى تقليل فرص احتمال المواجهة مع الهند, والى تغير ملحوظ في الخطاب السياسي الامريكي. يلاحظ ان هناك معايير ـ حسب رأي المراقبين ـ تعتمدها المؤسسة العسكرية الباكستانية قبل اقدامها على التدخل, حدث ذلك في فترات سابقة ويحدث الآن, تبدأ بمتابعة وترقب الوضع, حتى اذا ما حانت الفرصة لوجود ازمة طاحنة تؤدي الى عدم استقرار البلاد او التخلي عن تنفيذ مواد الدستور يصبح الجيش في حالة اضطرار للتدخل, ومع انه يشكل نسبة ضئيلة مقارنة مع العدد الاجمالي للسكان حيث يبلغ عدده 587 الف شخص في حين يبلغ عدد السكان 135 مليون نسمة حسب اخصائىات ,1999 الا انه صاحب القرار النهائى في حل الازمات يضاف الى هذا ان الانقلاب الحالي جاء بعد اقالة رئىس الحكومة لقائد الجيش الجنرال برويز مشرف الذي يحظى بتأييد واسع من القوات المسلحة. ويتساءل المراقبون عن تزامن هذا الانقلاب مع صدور قرار في مجلس الامن يطالب حكومة طالبان بتسليم اسامه بن لادن ومدى تأثير ذلك على مستقبل العلاقة بين افغانستان وباكستان من منطلق ان الاولى عملت على تأييد الثانية بكل الوسائل بما في ذلك الدعم العسكري؟ ويرون اجابة ذلك في احتمال عودة الحرب الباردة الى المنطقة, ناهيك عن العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة الامريكية والقيادات العسكرية الباكستانية, والتي ساءت منذ 1990 حين تخلت الولايات المتحدة عن تدريب ضباط باكستانيين وزادت مؤخراً بعد ضغط الادارة الامريكية بعد دخول باكستان النادي النووي, وضغطها على نواز شريف مما دفعه الى تخليه عن دعم المقاتلين في كشمير. تبقى نقطة اخيرة هو ان المؤسسات العسكرية في عدد من الدول الاسلامية قد تعود نظرا لحدوث هزات اجتماعية بسبب عدم الممارسة السليمة للديمقراطية وكثرة الفساد واعتماد المحسوبية والقرابة والعلاقات اساسا لتسيير اجهزة الدولة, نلحظ هذه العودة في باكستان الان, وقبلها في اندونيسيا, ويرجع البعض ذلك الى طبيعة تلك المؤسسات والى التجربة الناشئة في الممارسة الديمقراطية, والى عوامل اخرى متعددة لكن الاهم في الموضوع كله ان التدخلات العسكرية في العمل السياسي المدني اصبحت محدودة ومطلوبة من عامة المواطنين. ويبدو ان التجارب التي تعيشها الدول الاسلامية تدفع على الصعيد الداخلي الى مزيد من احلال العسكريين على اعتبار انهم ظهروا بوجه احسن وبفعل اكثر محافظة على الوطن, وهذه رغبة داخلية لا تحظى بنفس الدعم من الخارج, وفي الغالب مرفوضة, وبين رغبة الداخل والخارج تضيع مصائر الشعوب الاسلامية ودولها, ويفتح الصراع السياسي مستقبلا مجالا للتدخل الخارجي مهما كانت قوة الذين يطيحون بهذا الفريق او ذاك, ولا ينتظر الفصل بين المدني والعسكري في القريب العاجل لكن بالمقابل ايضا لن يتم التحكم في الوضع الداخلي دون عودة الديمقراطية ذلك الحل السحري الذي يدفعنا اليه الغرب يوميا بالضغوط الخارجية وبالحصار وبالهزات الاجتماعية الداخلية, وليست باكستان وحيدة في ذلك, انما قد تعد نموذجا اكثر وضوحا على ما يحصل في بعض دول العالم الاسلامي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات