هل الاستيطان الصهيوني فوق اراضينا لا يعنينا؟ بقلم نعيم الاشهب

تدور هذه الايام, في (الهواء الطلق) مسرحية بين حكومة باراك وبين المستوطنين. حكومة باراك تتقمص دور المدافع عن (القانون) ! وتقرر ان من مجموع المستوطنات الجديدة التي اقيمت الاشهر الاخيرة وبلغ عددها 42 مستوطنة، على ذمة حكومة باراك، ثمانية منها فقط استوفت الشروط القانونية الاحتلالية, وفق المعايير (الباراكية) . ومعروف ان هذه الموجة الاخيرة من اقامة المستوطنات الجديدة حفزها نداء شارون قبل مغادرته موقعه كوزير للخارجية الاسرائىلية, حين دعا الى احتلال اكبر عدد من قمم الهضاب في الارض الفلسطينية المحتلة. ومع ان معايير باراك هذه تقر ان 34 مستوطنة جديدة غير قانونية, فانه يقرر ازالة 15 من اصل ,42 ثم يتراجع ارضاء للمستوطنين الى 12 فقط, هي في معظمها ـ كما يعترف الاعلام الاسرائىلي ـ غير مأهولة, بل وبعضها مجرد خزان ماء! وقد لوحظ ان هذا التعامل (الحنون) راح يغري المستوطنين على المزيد من التحدي والاعلان عن التصميم على العودة الى المواقع التي يجري اخلاؤها. ومما له مغزاه, في هذا الصدد, تصريح باراك نفسه, في المجلس الوزاري لدى بحث قضية هذا الاستيطان, حين قال: (قلبي مع الحاخام (الوزير) اسحق ليفي اكثر مما هو مع يوسي سريد) . اليست هذه مسرحية ممجوجة؟! أولا: الاستيطان الاسرائىلي من الفه الى يائه غير شرعي وباطل, كما اكدت على ذلك سلسلة القرارات المتعاقبة من مجلس الامن والجمعية العمومية للامم المتحدة, منذ بدأ هذا الاستيطان وحتى اليوم. وثانيا: ان الاتفاقات الموقعة بين الطرفين الفلسطيني والاسرائىلي من اوسلو وحتى شرم الشيخ تؤكد على عدم جواز قيام اي طرف باجراءات تؤدي الى تغيير الوضع القائم. وثالثا: ان هجمة الاستيطان الاخيرة, والتي كانت من اشرس واوسع موجات الاستيطان الصهيوني, يريد باراك ان يخرج منها (بتشريع) معظمها, وهو ربح صاف على حساب الارض الفلسطينية. ورابعا: ان حصر الحديث في هذه المستوطنات الجديدة, والمساومة على بعضها, يراد به حجب الرؤية عن عملية الاستيطان الاساسية الجارية على قدم وساق ودون عوائق. وقد طرحت, مؤخرا, وزارة الاسكان الاسرائىلية, التي يقف على رأسها زعيم حزب المفدال, اسحق ليفي, وهو من اشد المتحمسين للاستيطان ـ والذي لم يكن من باب الصدف تعيين باراك له في هذا المنصب بالذات ـ طرحت هذه الوزارة عطاءات لبناء الفي وحدة سكنية جديدة في المستوطنات القائمة في الاراضي الفلسطينية المحتلة بدعوى (التسمين) !, هذا بالاضافة الى العمل الجاري للبناء الاستيطاني في كل من رأس العامود وجبل ابو غنيم ومعاليه ادوميم التي يجري ربطها بالقدس ومصادرة مساحات شاسعة من الارض الفلسطينية لهذا الغرض. ولم يكن مبالغة, في هذا الصدد, ما اعلنته حركة السلام الآن الاسرائىلية, من ان وتيرة البناء الاستيطاني هي في ظل حكومة باراك اضعاف ما كانت عليه في ظل حكومة نتانياهو. ومن الواضح ان (تشريع) باراك لمزيد من المستوطنات, عدا توسيع القائمة منها, والاستيلاء على اراض فلسطينية جديدة, في وقت تعترف فيه التقارير الاسرائىلية ذاتها بان قرابة 40% من المستوطنات القائمة خالية.. الغرض منه خلق وقائع جديدة على الارض الفلسطينية, عشية البدء بمفاوضات التسوية النهائىة. ما هو موقفنا مما يجري على ارضنا؟ تبدو الصورة على الارض اشبه بمشهد من مسرح اللامعقول. فمن الجانب الواحد, تتصدى مجموعات من حركة السلام الآن الاسرائىلية, في موقع او آخر, لقطعان المستوطنين المنفلتين بلا رادع, ادراكا من هذه الحركة ان هذا الاستطيان يمنع الوصل الى سلام حقيقي دائم وثابت بين الشعبين الاسرائىلي والفلسطيني. ولكن يلاحظ انه يحد ويقلص من نشاط هذه الحركة, الآن, اولا كون حزب العمل في السلطة, والكثير من جمهور هذه الحركة مرتبط او يتأثر بهذا الحزب. وثانيا: عدم تحرك الشارع الفلسطيني المعني قبل غيره بالامر, بينما على الجانب الآخر, يثير الدهشة انه في حين تجري الصفقات والتسويات مع المستوطنين على حساب اراضينا, نبدو بلا مبالاه ولا حراك, وكأن الامر لا يعنينا, بل وكأننا جسد مات فيه الجهاز العصبي فلم يعد يشعر بعملية تقطيع شرائح من لحمه الواحدة بعد الاخرى. ويلاحظ, في هذه الاجواء, انه لم يعد يتصدى لغارات المستوطنين الذين تفاقمت جرأتهم, سوى صاحب الارض المعنية, وبعض من حواليه في احسن الاحوال, بعد ان كانت تشكل قضية على مستوى الوطن. ولتغطيه هذا العجز المطبق, او ربما لتبريره, خرج البعض (بفتوى) مفادها ان الاستيطان يتعارض مع مخطط باراك لفصل المجتمعين الاسرائىلي والفلسطيني عن بعضهما, وبمعنى آخر: فان معركة الاستيطان, وفق هذا المنطق, لا تعنينا. فهي اما ان تعرقل وتفشل مخطط باراك للفصل او ان يضطر باراك ليتولى بنفسه تصفية هذا الاستيطان (العقبة) ويعفينا ـ والحالة هذه ـ من مشقة الدفاع عن اراضينا! ان هذا المنطق, الذي اقل ما يوصف به هو السذاجة المفرطة, يتجاهل لاءات باراك المعروفة وتصريحاته صباح مساء بان غالبية المستوطنين سيبقون تحت السيادة الاسرائىلية في اية تسوية نهائىة, وان هذا المصطلح غير محدد حتى الان وقابل للتطور والنمو بمقدار ما يستطيع الطرف الاسرائىلي فرضه على الارض. وبالتالي: فان فصل المجتمعين عن بعضهما ـ وفق خطة باراك ـ لا يعني ولا بحال تسليمه بالانفصال عن الارض الفلسطينية ما قبل 4 حزيران ,1967 وعدم ضم مناطق بكاملها من هذه الارض الفلسطينية بدعوى انها مأهولة بالمستوطنين الاسرائىليين. وبمعنى آخر: فالمعيار بالنسبة لباراك هو حجم الاستيطان, طالما هو يعتبر الارض الفلسطينية, ارضا متنازعا عليها وليست ارضا محتلة. ناهيك عن ان اية مستوطنة, مهما كان حجمها, يمكن ان تضيف وزنا جديدا للقوة التساومية للمفاوض الاسرائىلي في مفاوضات التسوية النهائىة. ولكن, في آخر تحليل, هذ يمكن ان نتهم شعبنا بالمسئولية عن هذا الموقف المثير للدهشة؟ اليس هو نفسه شعب الانتفاضة المجيدة وما قبلها وما بعدها؟ حتى الامس القريب هب هذا الشعب في معركة الحرم القدسي, عندما قام المحتل الاسرائىلي بعمليات الحفر تحته. حقيقة الامر التي ينبغي عدم التهرب منها هي ان موقف اللامبالاة من جماهير شعبنا مرده حالة الاحباط التي استشرت حتى غدت وباء عاما. واذا كانت مسئولية التصدي لهذا الوباء تقع على عاتق الجميع دون استثناء, بدءا بالسلطة ومرورا بالاحزاب والتنظيمات وانتهاء بالمواطن الفرد, فان هذا لا يغني عن السؤال: الى اي مدى تتحمل السلطة وممارسات اجهزتها مسئولية خلق وانتشار حالة الاحباط هذه؟ وعلى كل حال, اذا اريد اعادة الثقة بالنفس لهذا الشعب واستعادة حيويته المعروفة وروح التضحية والفداء الجماعية لديه, ليكون هذا الشعب السند الاقوى للمفاوض الفلسطيني لدى ولوج مفاوضات التسوية النهائىة, فينبغي الاجابة بشجاعة ومسئولية على هذا التساؤل باعتبار ذلك المعبر لمعالجة اسبابه قبل فوات الاوان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات