رفض اعضاء الحزب الجمهوري الذين يمثلون الاغلبية بمجلس الشيوخ الامريكي التصديق على معاهدة حظر التجارب النووية, الى حين انتهاء الفترة الرئاسية للرئىس الامريكي بيل كلينتون في يناير عام2001ولم يقتنع الرئيس الامريكي بالتبرير الجمهوري على عدم التصديق على المعاهدة, لان خلفيات عديدة تقف وراء القرار غير العقلاني , اولها سعي الجمهوريين ان يقترن التصديق على معاهدة هامة بأمر الحزب الجمهوري الذي تظهر عمليات سبر الرأي انه سيتولى الحكم بعد انتهاء عهد بيل كلينتون, وثانيا ان الجمهوريين لا يرغبون تخفيض ميزانية البرامج النووية بل مضاعفتها بدافع المحافظة على الردع النووية كسلاح توظفه الادارة الامريكية في معاملاتها الدولية الراهنة حيث يزداد عدد المنافسين لها في البرامج النووية, كالصين والهند وباكستان.. كما ان الخلاف الاساسي بين الجمهوريين والديمقراطيين منذ ان تفكك الاتحاد السيوفييتي وتغيرت موازين القوة الدولية واختل النظام الدولي, وظهرت مفاهيم جديدة في الفكر السياسي الدولي, كالأمن الاقتصادي والتكنولوجي, والبيئي, والاعتمال المتبادل. اقول ان الخلاف الاساسي يتمحور في تحديد كل حزب محددات المصلحة القومية بناء على التصور الذي يعتقده في عالم شديد التداخل والترابط تحكمه المصلحة المتبادلة لا الايديولوجيا التي اتسمت بها الفترة التي كانت قوتان دوليتان تديران النزاعات الدولية, ففي حين يعتقد الحزب الديمقراطي الذي ترأس الادارة الامريكية فترتين متتاليتين ويحتمل ان يترأسها لفترة ثالثة ايضا ان الامن الاقتصادي يأتي في مقدمة اولويات سياسة الولايات المتحدة الامريكية الدولية ويتوجب تركيز جميع الادارات على ضرورة انعاش الاقتصاد والمركبات الصناعية ويتطلب ذلك خفض ميزانية الدفاع العامة, يأتي الامن العسكري والنووي في مرحلة تلي الامن الاقتصادي, لكن الاهتمام به ينحصر في السعي نحو المحافظة على سقف معين من التفوق العسكري الامريكي لان المقدرة العسكرية هامة جدا للمحافظة على التفرد الامريكي بادارة العالم الجديد .. وتختلف نظرة الحزب الجمهوري على التصور الديمقراطي لتوجهات الولايات المتحدة الدولية حيث تلتقي نظرة الجمهوريين مع طروحات الفكر السياسي الواقعي, الذي جاء به مورجانتو, ومرده ان القوة العسكرية والامن عاملان اساسيان لتحقيق المصلحة القومية, لاجل ذلك نجد ان جميع الحكومات الجمهورية تلتقي طروحاتها السياسية مع مايذهب اليه الفكر الواقعي والامثلة عديدة ابرزها حكومة رونالد ريغن التي رفضت تخفيض ميزانية الدفاع الامريكي بل على العكس من ذلك راحت تطلب من الكونجرس الامريكي تخصيص ميزانية اضافية للبرامج العسكرية والنووية اهمها برنامج حرب النجوم حيث قدرت ميزانيته عام 1984 بـ 400 مليار دولار .. كما ان الجمهوريين كانوا ضد التوقف عن البرامج النووية باستثناء تخفيض وتحديد سقف الاسلحة النووية خاصة منها الصواريخ البالستية بعيدة المدى, ويعزون ذلك الى ان العديد من الدول طورت برامجها النووية حتى تفوقت على الولايات المتحدة في بعض الميادين العسكرية كالصين مثلا التي توصلت الى تطوير صاروخ طويل المدى يتجاوز مداه 4500 كلم وتفوق على الصاروخ الامريكي (البرشينغ) الذي زرعته الولايات المتحدة الامريكية في اوروبا اول مرة خوفا من احتمال الضربة الخاطفة او الثانية من روسيا على المصالح العسكرية الاستراتيجية للولايات المتحدة الامريكية وشركائها الاوروبيين في اوروبا, ولاننسى ان الجمهوريين في الكونجرس الامريكي هم اول من طالب الادارة الامريكية بفرض عقوبات صارمة على الباكستان والهند ردا على اجراء الدولتين تجارب نووية سمحت لهما بدخولهما النادي النووي, وارتفعت اصواتا تطالب الرئيس بيل كلينتون باجراء تجارب اخرى, لكي تعرف القوى النووية حجم المقدرة النووية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الامريكية ويظهر طرح العودة الى التجارب النووية في خطابات جورج بوش الابن, المرشح عن الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الامريكية القادمة بتصريحه اكثر من مرة من انه سيعمل على تطوير برامج ومشاريع نووية مجمدة منذ سنوات ولقي ترحيبا منقطع النظير من اصحاب الفكر السياسي العقلاني الواقعي من امثال بريزنسكي وكيسنجر, بل اكثر من ذلك كله يعتزم الجمهوريون اجراء تجارب نووية جديدة في صحراء فلوريدا, لكي تعرف القوى النووية الدولية حدودها في اللعبة الدولية, بمعنى آخر, ان الاهتمام القادم سينصب ـ بمنظور الحزب الجمهوري ـ على تطوير نظرية الردع النووي يجعلها المحدد الرئيسي في سياسة الولايات المتحدة الامريكية الدولية, لان المقدرة العسكرية والردع النووي سيحافظان على التوازن الدولي, وعلى مصلحة الولايات المتحدة الامريكية, لان الوجود العسكري في اهم مناطق العالم المتوترة غير كاف لابراز التفوق الامريكي بل يتوجب تدعيم الوجود العسكري بمنظومة نووية تعتمد على طاقات وخبرات تكنولوجية جديدة, لاتملكها القوى النووية الأخرى .. فهذا الطرح السياسي من الجمهوريين لايوافق عليه الرئيس الامريكي الذي, جعل من الامن الاقتصادي محددا في سياسته الدولية, فهو يعتقد انه اذا اعادت الولايات المتحدة الامريكية اجراء تجارب نووية فان ذلك سيفتح الطريق امام القوى النووية او حتى امام دول تطمح الى امتلاك مثل هذا النوع من الاسلحة الفتاكة, الى الدخول في تجارب مدمرة يمكن ان تمس بالامن الدولي والامن البيئي, ولايمكن للولايات المتحدة مطالبتها ـ اي هذه القوى ـ والدول بايقاف تجاربها وهي لاتزال مستمرة في اجراء تجارب متعددة .. ويبرر الرئيس الامريكي موقفه من التجارب النووية على ان الولايات المتحدة الامريكية منظومة نووية كبيرة, تتجاوز ماتمتلكه القوى النووية الاخرى, وهي اداة للدفاع عن الامن والمصلحة الامريكيتين. فهل يتمكن كلينتون من اقناع الكونجرس الامريكي بضرورة التصديق على المعاهدة ام ان الجمهوريين سيقطعون الطريق امامه, لغاية انتهاء فترته الرئاسية؟ استاذ في جامعة القدس المفتوحة