اعتقد الكثيرون ان مرحلة الانقلابات العسكرية في العالم الثالث قد ولت الى غير رجعة بسبب التشابك الكثيف في العلاقات بين الدول, وفي جوانبه الاقتصادية على وجه الخصوص, إلا ان الجنرالات في باكستان اثبتوا عكس هذه النظرية وأكدوا ان في الوقت متسعا لخوض مغامرات من هذا القبيل , خاصة اذا ما وجدت المعطيات اللازمة للقفز على السلطة المدنية تحت يافطات عديدة, يبدو ان في باكستان الكثير منها. فبعد ساعات قليلة اعلن رئيس الاركان في الجيش الباكستاني انه سيكون الحاكم العسكري لباكستان لمرحلة انتقالية تسير امورها حكومة انتقالية ليس فيها من الساسة المفسدين والفاسدين من اي من الحزبين التقليديين, أو على الاقل تخلو من اولئك المتهمين بالفساد المالي والاداري, فالوضع في باكستان يتقاطع كثيراً مع دول كثيرة في العالم الثالث من حيث استبداد الحكم المدني وتحويله الى مزرعة خاصة على حساب المجاميع الكثيرة التي لاتجد ما تأكل, فتسعى الطغم التي تمسك بزمام الأمور لتصدير مواطنيها للخارج عبر اتفاقيات مع بلدان عديدة قادرة على استيعاب جزء من جيوش البطالة. فحسب التقارير السريعة الصادرة من اسلام اباد, فان النخبة السياسية مدينة بأكثر من 220 مليار روبية باكستانية للبنك المركزي, أي ما يعادل قرابة 5.4 مليارات دولار, يمكن تحويلها مع الوقت الى ديون معدومة فتخسر البلاد جزءا مهما من ثروتها لحساب تلك النخبة التي تمتلك حسابات مصرفية ومؤسسات قد تفوق ديونها المعلنة. والمعطيات هذه, تشكل حالة قلق عامة في بلاد لاينعم ابناؤها بالتعليم إلا بنسبة لاتزيد على 27 بالمائة, والبطالة فيها بلغت ارقاماً قياسية والاسعار فيها تستعر وتفقد العملة الوطنية قيمتها بسبب التضخم, حيث تراجعت خلال عقدين من 20 روبية باكستانية للدولار أواخر السبعينات وبداية الثمانينات الى 54 روبية للدولار الأمريكي الواحد في الوقت الراهن. ويبدو ان هذا الوضع قاد الى نتائج استطلاع لافته, حيث أيد أكثر من 75 بالمائة من الذين شملهم استطلاع احدى المؤسسات عملية التغيير في باكستان, وقال 60 بالمائة منهم انهم يريدون حكم عسكري انتقالي ينظف الحياة السياسية من المفسدين في الارض, ومهمتها المحاسبة التي اندثرت مع حكومة نواز شريف المخلوعة, بعد ان مركز السلطة بين يديه ونصب قضاة تابعين له, وفرغ المؤسسات المدنية من محتواها الحضاري, واراد تفتيت الجيش الذي يعتبر مؤسسة عسكرية منضبطة, يرى الباكستانيون فيها خلاصاً من الساسة الذين اتقنوا لعبة الكراسي الموسيقية على حساب مختلف فئات الشعب. لقد كان ما حدث متوقعاً فرئيس الوزراء المخلوع لم يترك لنفسه خطوط رجعة مع الجيش خاصة ازاء مشكلة كشمير حين اتفق مع الولايات المتحدة على اعادة المقاتلين الكشميرين الى ما وراء خط الهدنة في الاقليم المقسم مع الهند, ولم يحسب ردة الفعل التي يمكن للعسكر ان يتخذها. وحتى طريقة عزل رئيس الاركان (الذي كان يحضر احتفالاً في سريلانكا) لم تكن متقنة, أو أنه لم يدرك حجم الاستياء داخل المؤسسة العسكرية من قراراته غير المدروسة. فكانت قضية كشمير بمثابة القشة التي كسرت ظهر الحكومة الباكستانية وانهت مرحلة الحكم المدني لتجيء مرحلة اخرى من الحكم العسكري الذي اعتاد عليه الباكستانيون. فمنذ الاستقلال عن الهند قبل نصف قرن تقريباً, شهدت باكستان اربعة انقلابات عسكرية, كلها جاء تحت يافطة تنظيف الحياة الساسية من الرموز الفاسدة في النظام الديمقراطي. بيد ان الواقع الباكستاني يعاني من تحديات كبيرة تعفيه من الانتقال الى الواقع المدني والحياة السياسية القائمة على اسس اللعبة البرلمانية وتداول السلطة بصورة سلمية كما هو الحال في الهند. ذلك ان النخب السياسية الباكستانية متورطة في حالات فساد بنيوية تتحكم فيها الاقطاعية ورؤوس الأموال, وعليه فإن لاغرابة في تغيير رأي اقاليم بكاملها من التأييد لمرشح الى الانقلاب عليه والتصويت لخصمه في خضم ساعات فقط. وهذا ما كان يحصل ابان الانتخابات التشريعية التي شهدتها باكستان في السنوات الماضية. ولهذا لم يكن مستغرباً ايضاً ان يدعو رئيس باكستان السابق فارق ليغاري الى تنظيف البلاد من الفساد, محددا دور الحكومة الانتقالية بوضع (عودة الثروة المنهوبة من باكستان على رأس جدول اعمالها) واستعادة الديمقراطية الحقيقية) . وفي هذا السياق أيضا, يلاحظ ان رئيس الحكومة المخلوعة الذي اعتقله العسكر والذي حصل قبل سنتين تقريبا على أغلبية ساحقة في الانتخابات الأخيرة.. لم يجد مناصرين له الا قلة حتى في داخل حزبه, اذ جرى انقلاب عليه تماشيا مع انقلاب العسكر, فانطلقت الصحف والمحللين السياسيين والاقتصاديين في التشنيع بحقبته بعد ساعات فقط من الاطاحة به, وكأن هؤلاء يطبقون مقولة انهم مع من غلب ومن ارتقى الى كرسي السلطة! هل يستطيع العسكر الصمود أمام الضغوطات؟ للوهلة الاولى يبدو الجنرالات غير عابئين بالعقوبات الاقتصادية والسياسية التي يتعرض لها قادة الانقلاب من الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الغربية الاخرى. فقد جاءت الدبابات والحراب العسكرية لتحل محل البرلمان المنتخب واصدر العسكر قرار بمنع أكثر من اربعمائة شخصية سياسية محسوبة على حزب الرابطة الاسلامية الذي يتزعمه نواز شريف من السفر خارج البلاد, وجرت اعتقالات انتقائية ومحسوبة للقريبين من رئيس الوزراء المعزول. كل ذلك جاء تحت يافطة المحاسبة, لكن باكستان المنهكة اقتصاديا لا يبدو انها قادرة على مواجهة حجب المعونات الاقتصادية والمالية اليها, الا اذا كان العسكر واثقين بأن المليارات التي جمدوها من ارصدة الساسة قادرة على سد النقص في الاموال, وتسيير دفعات القروض المستحقة حيث تصل الديون المستحقة على باكستان أكثر من ثلاثين مليار دولار, وخدمتها لا تزال تقصم ظهر الاقتصاد العليل. ان بلاد بهذا الحجم من الفساد والأمية والاقتصاد المنهار لا يبدو انها تسير الى طرق فضلى في الحياة المدنية الا اذا تم تطهيرها من الفساد الاداري والمالي. فهل يتمكن العسكر الخروج من هذا التحدي منتصرا؟!