مقال صفحة الرأي: الديمقراطية ولعبة الكلاب البوليسية، بقلم عادل حمودة

في هذه اللحظة كان لابد أن تستدعي ذاكرتي البعيدة قصيدة بابلو نيرودا الشهيرة التي يهاجم فيها الانقلابات العسكرية ويصفها بأنها إقامة قلقة بين شفاه الغول.. ووضع رقاب شعب بأكمله تحت سيف مسلول .. ولا أحد يقول.. لا أحد يعرف اسم القاتل .. وأسم المقتول . في هذه اللحظة كان لابد أن تستدعي ذاكرتي القريبة ما قاله الروائي الكولومبي الحائز لجائزة نوبل جارسيا ماركيز في روايته (خريف البطريك) عن حكم الجنرالات الصارم المؤلم الذي لا نجم فيه يسطع.. ولا أرض تحبل .. ولا شعوب تحلم أو تتأمل أو تتذكر.. إنها فقط تتناسل في الغرف المغلقة.. وتعيش في توابيت من رخام.. وتلعق حذاء أي نظام.. وتنتقل من فصيلة الإنسان إلى فصيلة النعام. في هذه اللحظة كان لابد أن تستدعي ذاكرتي المباشرة ما جاء في تقرير المعهد الاستراتيجي في لندن منذ 10 سنوات عن نهاية أسلوب الانقلابات العسكرية كوسيلة من وسائل تغيير السلطة في الدول الفقيرة غير الديمقراطية.. واعتبارها وسيلة قديمة.. دخلت متحف التاريخ.. مثلها مثل الديناصورات المنقرضة. في هذه اللحظة التي راحت ذاكرتي تقلب كل ما فيها على هذا النحو كنت أتابع بذهول واضح ومفاجأة كاملة الانقلاب العسكري الذي وقع مؤخرا في باكستان وقام به الجنرال برويز مشرف ليطيح بالحكم المدني الذي كان يمثله رئيس الحكومة نواز شريف.. وشعرت أن الديناصورات خرجت من متحف التاريخ السياسي ودبت فيها الحياة وراحت من جديد تعيد الزمن للورا ء.. وكأن كل الخبرات الديمقراطية التي كافحت الشعوب الفقيرة في الجنوب من أجلها قد ضاعت هباء.. إن ما جمعته (نملة) الديمقراطية في عقود طويلة أخذه (خف) جمل العسكرية في دقيقة واحدة. لقد عادت الصورة القديمة للانقلاب لتفرض نفسها من جديد بعد أن كانت قد اختفت وتوارت .. صورة الشوارع الخالية من البشر.. تسيطر عليها الدبابات والمدرعات ونقاط التفتيش والمراقبة الصارمة.. صورة رئيس الانقلاب بملابسه الصفراء ونياشينه التي تغطي صدره وهو يلقي بالبيان رقم واحد عبر الأثير وشبكات التلفزيون.. مبشرا بسقوط قوى الشر.. وصعود قوى الخير.. ومهددا بسحق وسحل كل من لا يعجبه بيانه.. صورة الشرطة العسكرية التي تلغي القانون وتفرض الأحكام العرفية وتلقي القبض على المشتبه فيهم سياسيا وتفتح المعتقلات والسجون وتحشر فيها كل من تتصور أنه خطر عليها.. صورة بشر يسيطر عليهم اليأس والإحباط والشعور بأنه قد كتب عليهم الحكم العسكري مهما اختلفت أشكاله وألوانه وكأنه قضاء وقدر لا مفر منهما. ولابد أن يلعب قادة الانقلاب على مشاعر الناس ومعاناتهم .. كما وجدنا في كل الانقلابات.. وكما وجدنا في الانقلاب الأخير في باكستان.. فهم يتحدثون عن مواجهة الفساد .. وضرب اللصوص الذين يمصون دم الفقراء ويثرون على حسابهم.. ويبشرون بعودة القروض المنهوبة من مدخرات البنوك.. وهي تقدر في حالة باكستان بنحو 120 مليار دولار.. أعطيت بلا ضمانات لعشرين عائلة فقط.. تسيطر على 66% من الصناعة و79% من أعمال التأمين و80% من الأعمال المصرفية.. بينما أكثر من 75% من السكان يعملون في قطاع الزراعة الذي يعاني من متاعب لا نهاية لها أدت إلى أن غالبية السكان تعيش تحت خط الفقر. لابد أن العسكريين سيبررون نزولهم الشارع وسيطرتهم على البرلمان وتعطيل الحياة المدنية بما يتصور أنه سيغري الناس بتأييدهم .. ولكن .. الخبرات القديمة في الانقلابات العسكرية تؤكد أن غياب الحياة المدنية وتعطيل مظاهر الديمقراطية لا يأتي بالخبز ولا بالشفافية .. بل يأتي بمزيد من الفقر والقهر. باسم الإسلام والعدالة الاجتماعية سيطر الجنرالات والمشايخ على السودان.. ولكن.. لا العدالة الاجتماعية تحققت.. ولا التوترات السياسية هدأت.. بل على العكس.. وجد الناس أنفسهم في حرب أهلية طائفية .. ووجدوا أنفسهم في مجاعات يصعب مواجهتها.. بل أكثر من ذلك عادت السودان لنظام الرق والعبودية.. وراحت النخاسة تفرض نفسها على هذا المجتمع العريق.. وبدأت الأمم المتحدة والولايات المتحدة تهددان بالتدخل في السودان حماية لحقوق الإنسان من البيع والشراء. وتحت شعاري (الإحياء الإسلامي) و(ضرب الفساد بيد من حديد) قام الجنرال محمد ضياء الحق بانقلابه على رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو في يوليو 1977 .. وكان بوتو قد تسلم السلطة من العسكريين في عام 1971 بعد أن فاز حزبه.. حزب الشعب في الانتخابات التي أجراها يحيى خان.. لكن الإصلاحات التي قام بها بوتو في مجالات الحياة المختلفة وأخذت طابعا يتسم بالراديكالية أو الاشتراكية لم تعجب لولايات المتحدة ولا الأحزاب السياسية التي تتاجر بالدين.. ومن ثم كان لابد من التخلص منه.. وإعادة العسكريين للسلطة من جديد. لقد حظر ضياء الحق النشاط السياسي.. وطويت الانتخابات الموعودة في غياهب النسيان.. وفرض الجيش على السلطة.. وفتت المعارضة.. ولكن.. دون أن يهتز الفساد.. أو يفقد شبرا واحدا من الأرض التي يسيطر عليها.. بل أن مساحة نفوذه قد تضاعفت.. وكانت جملة الثروات الحرام التي تكونت في ذلك الوقت لا تقل عن 65 مليار دولار حسب التقرير الذي نشره معهد لندن للعلوم الاستراتيجية في عام 1980. إن هذا الرقم لا يتسم بالمبالغة .. فقد تدفقت الأموال بعد عام 1974 من العاملين الباكستانيين في منطقة الخليج بعد الجنون الذي أصاب أسعار النفط كنتيجة إيجابية من نتائج حرب أكتوبر 1973 ... وقد كان الإسلام الذي يعتنقه الباكستانيون هو جواز المرور لهم في هذه المنطقة.. كذلك فأن ضياء الحق أدرج باكستان التي تقع على ساحل بحر العرب ضمن منطقة الخليج بصورة استراتيجية كاملة .. وقد أكتسب هذا التصور قبولا من إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريجان وبلور دور باكستان في الدفاع عن هذه المنطقة. وهو ما جعل باكستان من الدول الرئيسية المستفيدة من برنامج المعونة الهائل الذي بدأته دول (الأوبك) .. فقد حصلت على 1744 مليون دولار.. بخلاف الاستثمارات المباشرة للدول النفطية في باكستان والتي بدأت في منتصف السبعينات بحوالي 200 مليون دولار.. ولكن هذه الاستثمارات لم يجن ثمارها الغالبية الفقيرة في باكستان.. وإنما ذهبت إلى جيوب العشرين عائلة الثرية هناك لتزداد ثراء.. وليزداد الناس فقرا.. وجرت عمليات نصب في شركات لتوظيف الأموال .. ومضاربات على العقارات.. وفتح البلاد للاستهلاك.. وفي الوقت نفسه كانت البلاد تعاني من نقص العمالة الماهرة من الأطباء والممرضين والمهندسين الذين هاجروا إلى الخليج.. وتعاني من ارتفاع أسعار السلع الأساسية بسبب تصديرها إلى الخارج.. لقد جاءت الأموال بمزيد من الفساد.. وبمزيد من الاضطراب الاجتماعي والصراع النفسي والطبقي. وفي الوقت نفسه بدا شعار (الإحياء الإسلامي) الذي رفعه الجنرال ضياء الحق مثيرا للدهشة.. ولا نقول للسخرية. لقد استغل هذا الرجل العسكري المعزول شعبيا والمجنون بالقسوة هذا الشعار كهدية هبطت عليه من السماء.. حينما كان يتحدث في أكتوبر 1980 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتباره المتحدث باسم منظمة المؤتمر الإسلامي عن معارضة الشعوب الإسلامية لضم إسرائيل غير المشروع للقدس.. ووصفت المعارضة ذلك بأنه مسرحية مزيفة لديكتاتور يقوم بتمثيل دور العدالة.. وقالت: أنه جرد الثقافة السياسية الباكستانية من إنسانيتها بعمليات الإعدام العلنية التي أحاطت بها عملية دعاية واسعة وبعمليات جلد الكثيرين علنا وداخل السجون. ومن المفارقات التي تذكرها الناس وهو يتكلم عن المشكلة الفلسطينية أمام الأمم المتحدة مرتديا عباءة الإسلام أنه كان يتولى قيادة كتيبة باكستانية ضد منظمة التحرير الفلسطينية خلال الحرب الأهلية في الأردن في سبتمبر عام 1970 والمعروفة بمأساة (أيلول الأسود) . أن الحكم العسكري سيظل هو الحكم العسكري مهما رفع من شعارات مقدسة.. ومهما قام بألعاب الحواة السياسية.. سيظل مسيطرا على سفينة الأحزان التي يقودها ربان.. قرصان.. وفيها يتكوم الناس في الأقفاص كالفئران.. وهي سفينة حائرة.. لا مرفأ يقبلها.. ولا كيان إنساني يدعوها للدخول في مياهها الإقليمية .. فجواز المرور الذي تحمله أصدره الشيطان.. ومن ثم فأن أمامها الغرق أو البقاء خارج الأوطان . ولا جدال أن الجيش في الدول الجنوبية الفقيرة والمعدمة والمقهورة يلعب الدور الأكبر في السياسة. وفي بعض البلاد التي تعاني من اضطرابات عرقية ودينية مثل باكستان وتركيا يطرح العسكريون أ نفسهم باعتبارهم (الضمانة الوحيدة لاستمرار الدولة) .. ويتدخلون في فرض السلطة السياسية التي تريحهم كما في تركيا التي ينص الدستور على تدخل الجنرالات للتغيير في الوقت الذي يحددونه دون تفسير أو تبرير.. وهو نوع من التغيير لا يحتاج في كثير من الأحيان نزول المدرعات الشوارع. وهناك أشكال أخرى لتدخل الجيش للتغير دون اللجوء للقوة البدنية.. أو الانقلاب العسكري بصورته التقليدية التي تراجعت كثيرا حتى كدنا أن نحسبها في ذمة التاريخ .. ففي إندونيسيا مثلا كان الموقف السلبي لعدم تدخل الجيش في قمع المظاهرات الشعبية المضادة للرئيس السابق سوهارتو كفيلا بسقوط النظام.. وهو ما سبق أن جرى في السودان في الانتفاضة الديمقراطية التي أطاحت بالرئيس جعفر نميري.. فقد قرر القائد الجديد للمؤسسة العسكرية الفريق سوار الذهب أن يعزل الجيش عن السياسة ويتنازل في سابقة لم تحدث من قبل عن السلطة. وفي باكستان نفسها تغير نظام ضياء الحق نفسه بتدبير حادث تحطم طائرة كان يقلها هو والسفير الأمريكي الذي كان موته على هذا النحو أمرا لا مفر منه لإبعاد الشبهة عن المخابرات المركزية التي اتهمت بتدبير الحادث. لقد كان القتل على هذا النحو هو الحل الوحيد أمام القوة الخفية الأمريكية للتخلص من جنرال شديد البطش سد كل منافذ التغيير السلمية.. إن ضياء الحق هو الذي وضع باكستان على خريطة مواقع الأمن الاستراتيجية الأمريكية .. فقد اعتبر بلاده في خدمة الدفاع عن الخليج.. وكان مستعدا لوضع قوات باكستان المسلحة في خدمة الاستراتيجية الأمريكية في المحيط الهندي .. ومنذ التدخل السوفييتي في أفغانستان عام 1979 كانت باكستان بفضل حدودها المشتركة مع أفغانستان هي الطريق الوحيد المتاح لإمداد المقاتلين المناهضين للسوفييت بالأسلحة "والمتطوعين من كافة أنحاء العالم الإسلامي وهم من كانوا يسمون بالمجاهدين.. وهم أيضا من تولت المخابرات الأمريكية المركزية تدريب 20 ألف شاب منهم على حروب العصابات.. وهم كذلك من عادوا لبلادهم لينشروا الإرهاب والعنف تحت شعار عودة الخلافة والتخلص من النظم الكافرة. وقد استغلت الاستراتيجية الأمريكية العسكرية الباكستانية في تصفية الوجود السوفييتي في المنطقة.. تحت شعارات دينية.. لكن.. جاء الوقت لتصبح هذه الشعارات الدينية عبأ ثقيلا عليها.. وعلى مصالحها في نفس المنطقة.. فكان لابد أن يتغير النظام في باكستان.. ويبدو أن هذا التغيير الذي تكرر عبر الانتخابات لم يرض الإدارة الأمريكية خاصة بعد أن توصلت حكومة نواز شريف إلى القنبلة النووية وأصبحت باكستان الدولة الفقيرة التي لا تزيد مساحتها على 948 ألف كيلو متر مربع وسكانها يقتربون من الثمانين مليون نسمة وعمرها لا يمتد لأكثر من عام 1947 قوة إقليمية مؤثرة فيما حولها.. وقادرة على مد نفوذها منفردا دون حاجة للشريك الأمريكي إلى منطقة الخليج.. وهو تجاوز للخطوط الحمراء بكل المقاييس.. ومن ثم كان لابد للتخلص من الحكم المدني والعودة للحكم العسكري الذي يسهل على الولايات المتحدة التفاهم معه دون حساسيات أو حسابات.. ويبدو أن الأمريكيين الذين لا يكفون عن التغني بالديمقراطية ولا يكفون عن تهديد النظم الديكتاتورية لم يجدوا سوى أسلوب الانقلاب العسكري لاستخدامه هذه المرة. ولم يكن مثيرا للدهشة أن تعترض واشنطن على ما جرى في باكستان.. ولا أن تطالب الجنرالات بسرعة العودة للحياة الديمقراطية فهذه أصبحت مسرحية هزيلة .. ولكن المثير للدهشة أن واشنطن سرعان ما اعترفت بالانقلاب ومنحته الشرعية. لقد عاد للوجود وبمباركة القوة الليبرالية الأولى في العالم التي لا أمان لها أسلوب الانقلاب العسكري .. عادت اللعبة القديمة .. الخطيرة .. لعبة الكلاب البوليسية والإمبريالية الأمريكية والنخاسة السياسية.. وهي لعبة لا نجاة للشعوب الجنوبية المقهورة منها سوى الليبرالية والديمقراطية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات