كارلوس منعم والبكاء أمام كرسي السلطة، بقلم : الدكتور طلعت شاهين

عشق السلطة والسقوط في هواها ليس قاصرا على العالم المتخلف فقط, بل أيضا توجد هذه النزعة إلى السقوط في هوى السلطة حتى في العالم المتقدم الذي يأخذ بنظام الديمقراطية والتعددية الحزبية والتناوب الفعلي على كرسي الحكم بين تلك الأحزاب, وعشق السلطة في الدول المتقدمة ليس في حاجة إلى إثبات , يكفي تذكر دموع مارجريت تاتشر بعد أن أقصاها المحافظون البريطانيون عن رئاستهم ليسلموا الراية لخليفتها جون ميجور , الذي أضاع الحزب وكرسي السلطة, واسألوا رجل ألمانيا القوي لفترة طويلة هلموت كول , الذي كان مشهد الدموع في عينيه مثيرا للسخرية, رجل طويل وعريض وضخم الجثة مثله يبكي ضياع السلطة كطفل نزعوا منه لعبته الوحيدة . لذلك ليس غريبا أن نجد في دول تنتمي إلى العالم المتخلف ولا تعرف الديمقراطية الحقيقية من يحاول التمسك بكرسي الحكم, مخالفا دستور بلاده الذي يحتم عليه تسليم ذلك الكرسي بعد أن تنتهي فترة جلوسه عليه, إلا أن الاختلاف بين ديمقراطي حقيقي أحب كرسي السلطة أو وقع في هواها في دولة ديمقراطية حقيقية, وبين ديمقراطي مزيف آخر ينتمي إلى دولة متخلفة لا تعرف من الديمقراطية سوى شعارها, الأول يبكي ما فقده كما فعلت تاتشر وكول, والآخر يخفي دموعه خلف الشعارات, ويرتكب كل الألاعيب البهلوانية التي تصل إلى حد الحماقة, من أجل إطالة زمن جلوسه على كرسي الحكم, وعدم التخلي عن السلطة حتى لو كان في ذلك تدمير للحزب الذي ينتمي إليه, كما فعلها الرئيس الأرجنتيني كارلوس شاؤول منعم, وهناك من يصل إلى حد تدمير الوطن بكامله مقابل أن يظل على كرسي الحكم, كما هو الحال مع رجل أوروبا المريض بوريس يلتسين. يلستين لا يزال يبذل المحاولات اليائسة للبقاء في السلطة على الرغم من أن حياته قد تتعرض للخطر, ولكنه لا يزال على إصراره في تدمير بلاده وحتى آخر لحظة من حياته . أما الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم, فقد قرر أن يضع مسيرة حزبه في خطر منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى كرسي الحكم, لعب على جميع الحبال لإقناع الأحزاب المعارضة والشعب أن بقاءه في الحكم بعد انتهاء فترة رئاسته الأولى والوحيدة التي يقرها الدستور حينذاك مطلوب لإنهاء الإصلاحات الاقتصادية التي كان يجريها لإنقاذ البلاد من الإفلاس التام, لكنه لم يكشف أن نتائج تلك الإصلاحات تعود أولا وقبل أي شىء إلى مناخ اقتصادي دولي ساعد على ذلك, وان البرنامج الإصلاحي الاقتصادي له مهندس ليس منعم نفسه, ولكنه وزيره دومنجو كافالو , الذي استطاع بذكائه أن يكتشف علة العملة الأرجنتينية وموقفها من الدولار, فاتخذ من الإجراءات ما يجعلها ثابتة في مواجهة العواصف التي هبت عليها من المكسيك بعد عملية الانهيار التي شهدها الاقتصاد المكسيكي مع بدايات عام ,1995 والتي أطلق عليها خبراء الاقتصاد اسم أثر التكيلا , تيمنا باسم المشروب الوطني المكسيكي, الذي يعتبر أقوى مشروب كحولي يفقد شاربه الوعي بما حوله في أسرع وقت ممكن ما لم يكن حريصا . بهروب الاقتصاد الأرجنتيني من تلك الأزمة استطاع منعم إقناع الجميع بتغيير الدستور للبقاء في السلطة لفترة ثانية, وما أن حصل على ما أراد بدلا من توجيه جهوده لتنفيذ ما وعد تخلص من وزيره الذي تحول إلى شخصية قوية لها مكانتها داخل وخارج الأرجنتين, لأن هذه القوة التي حصل عليها الوزير أصبحت من منغصات الرئيس منعم اليومية, وبدأ يرى فيه منافسا لا معاونا له في تنفيذ برنامجه الحزبي . بدلا من بذل الجهود من اجل تقوية الرئاسة في الأرجنتين من خلال تقوية حزبه الذي كان عليه أن يستعد للانتخابات الجديدة بمرشح جديد يمكنه أن يحافظ على استمرار البيرونية نسبة إلى الجنرال بيرون مؤسس الحزب في الحكم, سار الرئيس منعم على طريق تكوين رؤيته الشخصية في الحكم, فدخل في نزاعات مع الأحزاب المعارضة سرعان ما تحولت إلى نزاعات داخل حزبه حول إمكانية استمراره في الرئاسة لفترة ثالثة, وخلال بحثه عن مبرر للبقاء لأطول فترة ممكنة, على الرغم من المادة الدستورية الواضحة التي تمنعه من ذلك, وكانت حجته ان فترة رئاسته الثانية تعتبر الأولى دستوريا, لأنها تبدأ بعد تغيير الدستور الجديد, واستخدم في تلك المعركة قضاة المحكمة العليا الذين اختارهم بنفسه ليؤيدوا تفسيره للدستور . ظلت تلك المعركة الدستورية قائمة حتى أشهر قليلة من الانتخابات الجديدة, التي كان على حزب الرئيس منعم أن يستعد لها بمرشح جديد, فكان تأثير تلك المعركة سلبيا على حزب الرئيس, الذي وجد نفسه فجأة أمام أزمة اقتصادية جديدة أطاحت بكل المنجزات التي كان يتباهى بها الرئيس منعم, مما جعل من العسير عليه أن يطالب ببقائه لفترة أطول في الحكم . بل ان الأزمة الاقتصادية الجديدة كانت لها نتائجها السلبية التي انعكست على البطالة, التي امتدت لتشمل الطبقة المتوسطة التي فقدت جزءا مهما من قدرتها الشرائية, وأيضا انعكست على الأمن حيث تعتبر الأرجنتين حاليا من أكثر الدول خطورة في مجال الجرائم الصغيرة, لأن لصوصها يسرقون ليأكلوا, التي تهدد بتحويل العاصمة بوينس أيريس إلى عاصمة الجريمة في أمريكا اللاتينية متفوقة في ذلك على عواصم ومدن كولومبيا والبرازيل, إضافة إلى انتشار الرشوة والفساد الذي وصل إلى مساعدي الرئيس نفسه وأسرته, وهناك أكثر من قضية فساد ينظرها القضاء الأرجنتيني حاليا, متهم فيها رجال أعمال على صلة مباشرة بالرئيس منعم . في أثناء معركة الرئيس منعم الداخلية مع زعماء حزبه الذين كانوا ينازعونه على طريق السلطة, كانت المعارضة الراديكالية بزعامة فرناندو دي لاروا تنظم صفوفها ويبدو مرشحها من أقوى المرشحين, فأضاع الرئيس منعم الفرصة على حزبه للبقاء في السلطة لفترة أطول . ثم جاء دومنجو كافالو وزير منعم السابق, مهندس برنامج الاصلاح الاقتصادي وصاحب نظرية التحويل المالي التي حافظت على العملة الأرجنتينية من الانهيار ليلعب دورا سياسيا جديدا, ولينزع من حزب الرئيس منعم جانبا من الأصوات التي كان يمكنها أن تساعد المرشح البيروني الجديد ادواردو دوالدو على مواجهة مرشح المعارضة الراديكالية, فقد قام الوزير السابق بتشكيل حزبه الخاص, والذي من المتوقع أن يحصل ـ طبقا لآخر الاستطلاعات ـ على حوالي 10 في المائة من مجموع أصوات الناخبين, ومن المؤكد أن هذه النسبة سوف ينتزعها من مؤيدي الحزب البيروني, فيساعد بذلك على هزيمة خليفة منعم, وفي الوقت نفسه يسد الطريق على أي أمل في عودة الرئيس منعم إلى الترشيح في الانتخابات القادمة عام ,2003 وهو ما أعلن عنه منعم اكثر من مرة بعد فشله في إعادة تفسير الدستور ليوافق هواه . مشكلة الرئيس منعم ليست مع الناخبين أو مع حزبه, بل مشكلته مع نفسه وحياته الخاصة المليئة بعلامات الاستفهام منذ أن دخل معترك السياسة في مدينة قرطبة الصغيرة, التي شهدت طفولته كابن لمهاجر سوري, عندما فشل الرئيس منعم في الحصول على التفسير المناسب له ليكون مرشح حزبه من جديد, حاول أن ينقذ حزبه من الهزيمة المتوقعة, فاتهم الراديكاليين باللاأخلاقية, لأنهم يضعون على قائمة برنامجهم الحزبي إصدار قانون يبيح الإجهاض في حالات معينة, مثل المرض أو الحمل بسبب عملية اغتصاب وما شابه ذلك, فقام الرئيس منعم برفع راية الدين, واتهام الراديكاليين بأنهم معادون للمبادىء الكاثوليكية, وقبل أن ترد عليه المعارضة جاء الرد من زوجة منعم السابقة سليمة جمعة, التي أعلنت أنها أجهضت مرة من قبل, وأن زوجها في ذلك الوقت كارلوس منعم ساعدها على ذلك, وهو الذي قام بنفسه بمرافقتها إلى الطبيب الذي ساعدها على التخلص من جنينها, وكانت تصريحات زوجة منعم رصاصة الرحمة التي أطلقتها على مرشح الحزب البيروني . كل المؤشرات تؤكد أن الانتخابات التي ستجري بعد غد الأحد 24 من أكتوبر الحالي ستكون حاسمة في إبعاد حزب الرئيس منعم عن الرئاسة, وربما لفترة طويلة جدا, خاصة إذا ظل كارلوس منعم متعلقا بحلمه في العودة إلى كرسي الحكم حتى بعد خروجه منه, لأن الهزيمة ستعني معركة ساخنة داخل الحزب البيروني الذي ينتمي إليه, ولن تهدأ تلك المعركة حتى ينتصر أحد طرفيها, إما أن ينتصر معارضو منعم ويبعدونه عن الترشيح للرئاسة في الانتخابات القادمة, أو ينتصر منعم ويستعد للعودة إلى السلطة التي يعشقها ويهواها, ولكن في كلتا الحالتين من غير المنتظر أن يعود حزب منعم, به أو بدونه, إلى حكم الأرجنتين من جديد في فترة قريبة, لأن تلك المعركة ستكون قد أنهكته وحولته إلى شبه حزب, أو أشلاء حزب كما يقول أحد خبراء السياسة في الأرجنتين, إضافة إلى أن تجربة شعب الأرجنتين معه سيئة, ومن الصعب نسيان ما فعله خلال رئاسته لبلاده خلال فترتين, وعد خلالهما الشعب بالمن والسلوى, وانتهى به إلى البطالة وفقدان الأمن والاستقرار . * كاتب مصري مقيم في اسبانيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات