الموضوع الوحيد الذي يتفق عليه كافة أطراف الخارطة السياسية الاسرائيلية دون سواه هو بالتأكيد موضوع العراق وكيفية التعامل معه. فطرفا المنافسة الرئيسيان في الحياة السياسية الاسرائيلية ـ حزب العمل اليساري والليكود اليميني ـ هما نقيضا بعضهما تماما في كافة المجالات سواء الداخلية أو الخارجية , من برامج الشئون الداخلية كالاقتصاد وأسلوب الحكم والاستيطان والانفاق العسكري والبرامج التنموية بل وكذلك مدى تغلغل رجال الدين في أوكار اتخاذ القرار, الى كافة الامور المتعلقة بعلاقاتهم الخارجية كعملية السلام مع الفلسطينيين وسوريا ولبنان ومواجهة التطرف الأصولي و تصورهم للدور الذي يمكن لبلدهم ان تلعبه في الاقتصاد الدولي ومستقبل علاقاتهم مع الولايات المتحدة, تجدهم يختلفون اختلافا جذريا في كل شيء فيما عدا ملف العراق الذي يتفقان تماما على كيفية التعامل معه وتصنيفه الأمني وأساليب الحد من تهديده لأمنهم بما في ذلك تقوية التعاون الأمني والعسكري المشترك مع تركيا. والعراق مستهدف من قبل اسرائيل منذ أواخر السبعينات بعد رحيل رئيسه المعتدل أحمد البكر عن السلطة والذي كان قد ساهم بسلاح طيرانه في القضاء على المقاومة الفلسطينية التي كانت تنطلق من الأردن اثناء أيلول الأسود ومجيء خليفته الأكثر جرءاة و(دموية) صدام حسين. وقد اعتبرت اسرائيل منذ ذلك الحين العراق من أحد أخطر التهديدات العسكرية والأمنية عليه وقامت بالهجوم على مفاعلاته النووية وتدميرها ثم الوقوف ضد العراق وبالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية اثناء الحرب العراقية الايرانية (فيما عرف بقضية ايران كونتراجيت) ومساندة الاستخبارات البريطانية والألمانية في منع وصول مواد وأنابيب مشبوهة اليه. وقد انتهزت فرصة الغزو العراقي لدولة الكويت لتعزيز تقاربها مع من تصنفهم المعتدلين العرب الذين لا يؤمنون بجدوى الحلول العسكرية للقضية الفلسطينية الا انها لم تفلح في اقامة علاقات مع الدول الخليجية التي بقيت بالرغم من توافق المواقف نحو العراق مصممة على عدم التطبيع أو الاعتراف بدولتهم دون ايجاد حل شامل ودائم للقضايا العالقة وإعادة الحقوق العربية والاسلامية الى اصحابها وبالتالي الفصل بين القضيتين الكويتية والفلسطينية واعتبارهما مسارين منفصلين تماما. وقد نجحت هذه السياسة في ارغام اسرائيل على ابداء مرونة أكبر في التفاوض مع الفلسطينيين والاردنيين والسوريين الى حد ما. أما عن الدافع الاسرائيلي لمعاداة العراق فيكمن بأنها ما زالت ناقمة عليه اثر اطلاق العشرات من الصواريخ طويلة المدى (سكود) العراقية على اهداف اسرائيلية اثناء حرب تحرير الكويت وهي لا تزال تحتفظ لنفسها بحق الرد على تلك الهجمات الى الآن وتدعي ان لديها معلومات ان العراق ما زال قادرا على معاودة الهجوم مرة اخرى. ومن هنا كان مغزى التعاون العسكري والأمني الاسرائيلي مع تركيا والتورط الاسرائيلي في قضية اكراد العراق في محاولة منه لزعزعة وحدة العراق واستقراره مما سيتسبب في اضعاف الموقف العربي العام. وقد تجلى هذا الفكر في الدور البارز الذي لعبته عناصر استخباراتها في التخطيط والتنسيق مع المخابرات الامريكية والتركية لاعتقال عبدالله أوجلان وما سيترتب على هذا الاعتقال من كشف اسرار التنظيمات الكردية وتمويلها وبالتالي اضعافها وتشتيتها وربما القضاء عليها. ان التقارب الاسرائيلي ـ التركي ما هو الا نتيجة طبيعية للتباعد العربي ـ التركي الذي بدا واضحا حينما هددت تركيا سوريا بمسحها عن الوجود أواخر العام الماضي ان بقي اوجلان على اراضيها. وإن كان التاريخ درسا لنا فلنتذكر الحكم العثماني الصارم للدول العربية وكيف كان فترة تحولهم من امجاد الماضي الى ذلك الحاضر وكان أول من سلب ارادتهم السياسية.