حظ العرب من القرن العشرين الخسارة, من معارك كرة القدم إلى معركة اليونسكو مؤخرا, واذا ما صادف أن فاز عربي بموقع أو بجائزة أو بتقدير عالمي, كالمصري احمد زويل بنوبل مؤخرا, فذلك لانه امريكي الجنسية, اما فوز أو تقدير نادر, كحصول نجيب محفوظ على نوبل قبل حوالي عشر سنوات, فذلك هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة . وهكذا فقد خسر المرشحان العربيان لرئاسة اليونسكو امام الياباني ماتسورا الذي فاز بها بفارق اصوات كبير, خاصة أن هناك مرشحا عربيا جديرا بهذا المنصب هو الدكتور غازي القصيبي خرج خاسرا, وكان منافسا قويا حتى اخر لحظة, غير انه لم يخسر لصفات أو مؤهلات في الياباني لا تتوافر فيه, بل لاختلاف العرب المزمن وعدم اتفاقهم ودعمهم لبعضهم البعض, حتى تذهب ريحهم كل مرة, فيخسرون لان الخسارة هي الثمن الطبيعي للاختلاف والفرقة. وكانت الآمال تتجه في الكواليس والعلن إلى انسحاب المرشح العربي المصري الدكتور اسماعيل سراج الدين من المنافسة لصالح المرشح العربي السعودي غازي القصيبي خاصة بعد تضاؤل فرص فوز الاول وحلول الثاني في المركز الثاني من المنافسة بعد الياباني, الا ان بقاء المرشح المصري دفع بأصوات افريقيا للذهاب للياباني, مع ان المرشح المصري من المفترض انه مرشح افريقيا ايضا من حقه الحصول على أصوات القارة, وكان انسحابه سوف يعزز فرص المرشح السعودي للفوز بالرئاسة. النتيجة ان المصري حل في المرتبة الاخيرة بثلاثة اصوات فقط, وحل مرشح ترينيداد في المرتبة الثالثة بثمانية اصوات, فيما ظل القصيبي في المركز الثاني بثلاثة عشر صوتا وبزيادة ثلاثة اصوات على الجولة الثانية, ليفوز الياباني بحصد اغلب الاصوات بسهولة على منافسيه, فيمكن القول هنا ان انسحاب المصري كان يمكن ان يخدم المرشح السعودي فيقربه من الفوز, بذهاب اصوات افريقية واخرى اليه, وان بقاءه في المنافسة خدم المرشح الياباني بالقوة نفسها. طبعا هناك من لا يستبعد ان الاصوات الافريقية التي حسمت المعركة لصالح الياباني جاءت نتيجة ضغوط يابانية مارستها طوكيو على المجموعتين الافريقية والامريكية اللاتينية بين تهديد بقطع مساعدات قائمة وبين اغراءات بمساعدات مالية اضافية, وهو ترجيح غير مستبعد خاصة اذا عرفنا ان الدبلوماسي الياباني الذي خرج منتصرا برئاسة اليونسكو عمل سفيرا في افريقيا ووثق علاقات اليابان مع دول القارة السمراء حين كان معاونا لوزير الخارجية. على ذلك فان الاصوات التي كان ينتظرها سراج الدين, وهي اصوات اكبر كتلة جغرافية انتخابية داخل المجلس التنفيذي لليونسكو, لم تذهب اليه, وهو تعرض بلاشك قبل الخسارة إلى خديعة ان لم نقل عملية بيع وشراء من قبل مندوبي قارته السمراء, غير ان خسارته الفعلية بدأت مع وجوده كمرشح عربي شئنا ذلك ام ابينا, يمثل افريقيا في منافسة مرشح عربي اخر هو القصيبي يمثل المجموعة العربية والاسلامية, التي تضم دولا في القارتين الكبيرتين اسيا وافريقيا على السواء, ما يعني ان انسحاب المرشح المصري كان يمكن فعلا ان يصب في مصلحة المرشح السعودي, على الرغم من تهديدات اليابان أو اغراءاتها بالمعونات حسبما قيل. طبعا الان لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب, ولا يفيد تبادل اللوم والعتاب, فقد سبق ذلك مطالبات هامسة بضرورة بقاء مرشح عربي واحد لرئاسة اليونسكو لكي يستطيع تجميع الاصوات, خاصة ان العالم في مثل هذه المواقف والميادين والمجالات ينظر للعرب بوصفهم بلدا واحدا, وفي مصالحه يفرقهم إلى بلدان شتى مختلفة, لولا ان العرب لم يدركوا بعد سر قوتهم, فتكون النتيجة كل مرة خسارتهم امام الدول والافراد سواء بسواء, ولو كان هؤلاء في قامة الياباني ماتسورا, وكل خسارة وانتم بخير.