معايير الجودة.. ومؤسساتنا الاكاديمية، بقلم ابراهيم سعيد

ما هو دور الادارة في انجاح المنشأة ؟ ولماذا هذا السؤال بالذات الان؟ ربما لأن الزمن هو زمن ما بعد الاقتصاد, أي بمعنى ما هو ناتج عن حركة الاقتصاد بكل تفاعلاتها وانعكاساتها حيث تكون محصلة الحركة الاقتصادية لاي مجتمع هي نتاج لعناصر مواكبة العصر, وترسيخ البنية الاساسية لهذا المجتمع . وربما تبدأ الحركة الاقتصادية هذه من المنشأة.. مهما كان حجمها, فهي النواة لمؤسسة ما تكبر أو تصغر أو تصبح ذات مدخول قد يصل احيانا إلى ما يوازي ميزانيات دول, على غرار بعض الشركات اليابانية وغيرها. يرى الخبراء المختصون بالإدارة ان تحقيق عنصر الجودة لاي منشأة لابد ان يسبقه تحديد طبيعة المشكلة التي تعاني منها تلك المنشأة.. وأي تقييم دقيق لابد أن يأخذ في الاعتبار معيار التفريق بين ثلاثة نماذج من المؤسسات: - النموذج الاول يشمل المؤسسات الميتة التي يكون من المستحيل اعادة النبض الى عروقها, حيث ينطبق عليها القول (مالجرح بميت ايلام) , وحيث تنعدم مقومات الحياة لها وتحتاج الى معجزة لاعادة الروح الى جسدها الهامد, وفي الادارة لا يتعامل الناس مع خوارق فكل شيء بحساب ومراجعة وصنع قرار. - النموذج الثاني ويعرف بالمؤسسات النائمة, والفرق هنا ان عروقها لا تزال تنبض ولكن الجسد ممدود ومسجى لا يقوى على الحركة, والنوم في الطبيعة يقترب من الموت, لا سيما في الانشطة الاقتصادية والتجارية التي تشترط الحركة والسعي والانتاج. وهذا النوع من المؤسسات يحمل في جسده مقومات النهوض والاستمرار, واذا توفر له عدد من الشروط, كإعادة النظر في النظام القائم الذي تسبب في الجمود والتوقف, وتحدد البرامج والخطط فيه, وأهم من هذا وذاك وجود الادارة التي تقوم هنا مقام (كونسلتو الاطباء) الذين يتخذون قرار العلاج لمريض يعاني سكرات الموت فينجحون بتوفيق الله في إعادة الحياة والحيوية اليه, بالتدريج وموافاته بما يستحقه من علاج وتطبيب. - أما النموذج الثالث فيشمل تلك المؤسسات الحديثة التي بدأت منذ الخطوة الأولى لعملها من حيث انتهى الاخرون, اخذة بالنظم الادارية الحديثة ومتمتعة بالادارة القادرة, وبالتمويل السخي والبرامج والخطط, وما يتطلبه عملها من ادوات واجهزة حديثة ووسائل تكنولوجية متطورة. وهذا النموذج في يقيني هو ما نبحث عنه وما نحن بصدد تطبيقه على موضوعنا في هذا السياق والمتعلق بمؤسساتنا الأكاديمية الجامعية في الدولة, حيث شهدت دولتنا طفرة كبيرة في انشاء الجامعات وحيث جاء ذلك تلبية للحاجة وازدياد الطلب على المقاعد الجامعية لأبنائنا.. من الموظفين والمقيمين على السواء. فقد شهدنا في الآونة الاخيرة عدداً من الجامعات أعلن عن انشائها على نحو تضمنت فيه معظم التخصصات والكليات بما فيها الطب والعلوم الطبية, ووجدنا بالمحسوس نماذج من الجودة بدت جلية وواضحة في كل من كليات التقنية العليا المنتشرة في معظم مدن الامارات, وجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا, والجامعة الأمريكية بدبي, والجامعة الأمريكية بالشارقة ثم اخيرا جامعة زايد, التي غطت وبكفاءة عالية جزءا كبيرا من احتياجات ابنائنا للدراسة. الادارة أولاً وبالعودة الى مراجعة أوضاع هذه الجامعات الناشئة, فإننا نجدها مجالا لتطبيق معايير الجودة في النموذج الثالث من المؤسسات ذات الحيوية والقوة على نحو تستطيع بكل ثقة ان تقول أنها تجاوزت مرحلة الخطر ونجحت في اجتياز عائق التوازن بين الطموحات والامكانيات, وتغلبت على صعوبات التوازن بين كفاءة الادارة فيها وبين الاهداف والطموحات التي تحددت لها قبل بداية العمل والانتاج. مثل هذه المؤسسات وما تحقق لها من نجاح لابد ان تكون نموذجا وامثلة يحتذى بها, لاسيما لبعض النماذج الاخرى التي توفر لها كل شيء ولكنها تعاني من اختلالات واضحة في برامجها وفي اسلوب العمل وفي تردي الاجهزة المستخدمة فيها, وفي ضعف العناصر البشرية القائمة على ادارتها وعملها, فبدت خالية من الرؤية الثاقبة القائمة على التخصص, ومن البرامج والخطط المدروسة, برغم أنها من جانب آخر وفر لها أصحابها المخلصون والاوفياء كل ما تحتاجه من امكانيات مادية وعناية ورعاية... فإذا بالادارة تجهض كل الجهود وتحمل الطموح الى يأس واحباط, والثقة الى شك, والاندفاع الى بطء وتردد. ان المؤسسات الحديثة لا يكفي ان نوفر لها البنية الاساسية والامكانيات المادية الكبرى, فما جدوى ان نرى المنشأة وهي تعلو, في الشكل العام وتفتقر الى الادارة المختصة المتفانية والمسلحة بالعلم والقيم الاخلاقية والرادع الديني والقيمي؟ ان هذه التجربة في الادارة الحديثة لمؤسساتنا المختلفة قد تكون مهمة لمرة واحدة.. ولكن أهميتها تزداد الى عشرة اضعاف في حالة مؤسساتنا الاكاديمية.. فالامر هنا يتعلق بتشكيل عقول اجيال لابد ان تمنح ما تستحقه من الرعاية والاهتمام, والامر هنا يتعلق بمناهج ومخرجات التعليم العالي بالدولة. كانت بداية التعليم العالي في الامارات جاءت في اللحظة التي قامت فيها جامعة الامارات, وللحقيقة والانصاف فإن جامعتنا الاولى قامت بدورها الاكاديمي افضل قيام ونجح المسئولون عنها في تخطي الصعاب, وتجاوز العديد من الاختبارات والتحديات, واستطاعت ان تقدم دفعات من الخريجين والمؤهلين الذين ينتشرون الآن في دوائرنا ومؤسساتنا المحلية والاتحادية.. وذهب عدد كبير من خريجي الجامعة لاستكمال دراساتهم العليا للماجستير والدكتوراه, ونجحت الجامعة الى حد بعيد في تلبية حاجة السوق المحلية للعناصر المؤهلة. وإذا كان هناك من يقول بأن الكثير من الخريجين يعانون من البطالة.. فذلك ليس ذنب الجامعة ولا ننتظر منها ان تخرج الطالب ثم تبحث له عن عمل. المشكلة هنا بيد اصحاب القرار في المؤسسات العامة والخاصة, فجامعة الامارات تقف الان ليس فقط في مصاف الجامعات العريقة في الوطن العربي.. بل انها تتفوق على الكثير منها مناهج وهيئة تدريس ونشاطات في مجالات البحث والمشاركة الاكاديمية العربية والعلمية, فضلا عن انها الجامعة الخليجية التي استطاعت تتويج تخصصاتها بكلية الطب التي بدأ خريجوها ينتشرون في مؤسساتنا الطبية ويمارسون مهنة الطب بين اخوانهم الاطباء من خريجي الجامعات العالمية. نماذج مشرفة وقد اردف القائمون على التعليم العالي, ونخص بالذكر معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي رئىس الجامعة وكليات التقنية العليا, اردفوا جهودهم في تأسيس الجامعة, بتأسيس سلسلة من كليات التقنية في معظم مدن الدولة, حيث استوعب المشروع منذ إنشائه اعدادا كبيرة من ابنائنا الطلبة, في دراسة علمية وميدانية مركزة لكافة التخصصات العلمية وعلى نحو وفرت هذه الكليات مجالات واسعة لطلبتها للتخصص المركز, ومنحت الفرصة للطامحين منهم لاستكمال دراسة البكالوريوس والدراسات العليا, ولقد توفر لهذا المشروع عوامل النجاح منذ البداية مناهج وهيئة تدريس وأهدافا, وأحسن الرئىس الأعلى للمشروع اختياره الادارة الكندية المطعمة بأكفأ العناصر من ابناء الامارات, وتوجد في كليات التقنية احدث الاجهزة العلمية التي قد لا يتوفر مثيلها في اعرق المؤسسات الاكاديمية بما فيها الجامعات الغربية. وللحق ومبدأ الانصاف فان بحثنا المستميت عن نماذج التفوق والجودة في اداء مؤسساتنا العلمية والثقافية والخدماتية, لابد ان يقودنا للحديث عن نموذجين صارخين توفرت لهما الامكانيات وهيأت لهما الظروف الملائمة للعمل والابداع وفرص النجاح, فكانتا قبسا مضيئا في عالم النجاح والتفوق.. نذكر منها اولا طيران الامارات التي بدأت عملها على فلسفة واضحة, .. وكان جميع المحبين للامارات والحريصين على امارة دبي يضعون ايديهم على قلوبهم خوفا من اخفاقها واحتمال عجزها عن المنافسة في امارة فتية لا تعرف في قاموسها التنموي تجارب الفشل والاخفاق, ولا تعرف إلا قصص النجاح والاندفاع المحسوب الى آفاق التفوق والانجاز.. ولم تمض سوى سنوات حتى شاهدنا بعيوننا وجربنا بأبداننا على متن طائراتها معنى الجودة وحسن الأداء.. وتفوقت طيران الامارات على شركات عالمية سبقتها الى سوق النقل الجوي بعشرات السنين, ومضت في طريقها تحصد جوائز التفوق العالمية وكأنها تود ان تؤكد ان الامارات لا تلد إلا العبقرية ولا تعطي سوى الانتاج فائق الجودة وعالي التفوق. هنا وفي حالة طيران الامارات تحقق مبدأ التوازن بين المال وحسن استخدامه, وبين التخطيط وحسن ادارته وبين الطموح ودقة استثماره, وبين الولاء للوطن والاخلاص في التمسك به وتجهيزه لصالح الوطن والانسان. وهناك نموذج آخر يشترك مع طيران الامارات في شرف حمل اسم الامارات, ونعني به مركز الامارات للدراسات الاستراتيجية.. فقد بدأ هذا المركز قبل سنوات لم يكن أحد يسمع به كثيرا, وهو يشغل إحدى الشقق في عمارة من عمارات عاصمة الدولة ابوظبي, وبدأ بالتخطيط الهادئ والاستثمار الامثل لامكانياته وطاقاته في عقد المؤتمرات الدورية الكبرى وفي اصدار الكتب والدوريات والدراسات المعمقة على نحو اصبح فيه يمتلك جناحاً خاصاً في معارض الكتب الكبرى في الامارات وفي خارجها. مركز الامارات احد النماذج المعبرة تعبيرا صادقاً عن طموح ابناء الامارات من مركز الفكر والثقافة, واضحى نموذجاً يحتذى به في اطار من التميز والتفوق, حيث يكفي أن نراجع اعداد الجوائز المحلية والدولية التي حصدها المركز لنتعرف على مدى نجاح هذا المشروع الثقافي الريادي في الامارات. ربما نكون قد توسعنا في معالجة هذا الموضوع, وعزاؤنا اننا كنا نتطرق لموضوع مزدوج المضمون مضاعف الاهمية, فالحديث عن الجودة يشغل الناس مسئولين وتجارا وافرادا عاديين, والمؤسسات الاكاديمية ظاهرة جديدة وفتية في حياتنا تستحق التأمل والدعم والتشجيع, وماعدا ذلك فنحن نفرح لنجاحنا ونتألم لأية ظاهرة سلبية. * كاتب من الامارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات