الكونجرس يرفض معاهدة الحظر النووي:ضربة قاصمة ضد كلينتون او لمصالح امريكا(1ـ 2)بقلم بقلم محمد الخولي

في مثل هذه الايام من العام المقبل, وعليك خير, تشرع السيدة الامريكية الاولى (هيلاري) في اعداد حقائبها او(ضب اغراضها)كما يقول: اهلنا في الشام, استعدادا لمغادرة نهائية للبيت الامريكي الابيض, فيما يبدأ بعلها بيل في الاستعدادات المادية والسيكلوجية لحمل لقب الرئيس السابق . والواقع ان السيد كلينتون يعيش منذ بدايات العام الحالي حكاية السابق هذه, لا بفعل المحاكمة او المساءلة القضائية التي نصبوها له في مجلس الكونجرس الامريكي بخصوص قضية فضيحة لوينسكي ولكن بفعل ما تواضعت عليه اعراف السياسة الامريكية التي تحيل بدورها الى ادبيات الممارسة الرئاسية في الولايات المتحدة فتخلع على الرئيس في آخر سنة او آخر سنتين من ولايته ـ وخاصة الولاية الثانية وهي الولاية المجددة والنهائية بحكم الدستور, اللقب الشهير الذي يقول: (البطة العرجاء) . والمعنى ان الرئيس الامريكي في فترة الغروب او الذبول او الشحوب من ولايته يصبح عرضة للتحجيم السياسي بل والاستضعاف من جانب الكونجرس, خاصة اذا كانت اغلبيته البرلمانية تنتمي ـ كما في حالة السيد كلينتون الراهنة ـ الى الحزب المعارض (الجمهوري). حالة من الترصد المتبادل والواقع ايضا ان راصدي مجريات السياسة الامريكية ـ الداخلية والخارجية على السواء ـ يلاحظ ان حالة من الترصد القائم بين مقام الرئاسة في البيت الابيض ودوائر المعارضة المتمردة في اروقة مجلسى النواب والشيوخ, وجاءت اقرب الضربات الموجهة الى (البطة الرئاسية العرجاء) حين رفض الكونجرس (مجلس الشيوخ بالذات) في منتصف اكتوبر الحالي الموافقة على معاهدة حظر اجراء التجارب النووية تحت الارض فيما وصفته الميديا الامريكية بالعبارات التالية: * ضربة قاصمة للرئيس كلينتون. * خسارة فادحة (حرفيا ماحقة) للرئيس. * الكونجرس يسحق واحدا من اكبر الاهداف التي تتوخاها رئاسة كلينتون في مجال السياسة الخارجية. نحن ومايجري في واشنطن وقد يتبادر الى الذهن سؤال يتردد بالحاح: هذه النتائج من مداولات البرلمان الامريكي (كان التصويت بمعدل 51 معارضا الى 48 مؤيدا يعني بخسارة 3 اصوات وذلك مؤشر صحي ولاشك على دقة ورهافة التوازن في القوى بين السلطتين التشريعية والتنفيذية) نقول ماعلاقة هذه النتائج بمصالحنا في الوطن العربي وفي العالم الثالث؟ ونبادر فنقول ان مثل هذا السؤال وما في حكمه ينبغي ان يظل مطروحا باستمرار ونحن نتابع السياسة الخارجية لامريكا وبغيرها من كبريات الدول والنظم في عالمنا وهي المؤثرة على مجريات الامور في العالم والعصر .. . وفي هذا الاطار قد نورد عدة ملاحظات تراءت لنا من موقع المتابعة عن كثب, لما يستجد على هذا الشأن الامريكي من تطورات. من هذه الملاحظات مايلي: ان نتيجة التصويت السلبية على معاهدة حظر التجارب النووية السالفة الذكر .. لم تأت كمجرد هزيمة الطرف البرلماني للطرف الآخر الرئاسي ولكنها تأتي تعبيرا دقيقا عن واقع صراع القوة الاوسع والاشمل بين الطرفين ـ الكونجرس والرئيس ـ ان هذه النتيجة تعبر بوضوح عن بروز اتجاه جديد غاية في السلبية في مجريات السياسة الامريكية هو اتجاه الانعزالية او هو نزعة الانعزالية الجديدة على حد وصف الرئيس كلينتون شخصيا وهي النزعة التي تضم غالبية من الجمهوريين وقلة من الديمقراطيين ومؤداها ـ كما يوضح اسمها ـ ان على امريكا ان تنفض يدها من قضايا العالم ومشاكله وان تكتفي بمتاريس التكنولوجيا ودروع الدفاع المتقدم والانكباب على مشاكلها الداخلية (التفرقة العنصرية الارهاب الداخلي. الفقر في امريكا وقد تفشت ظواهره) كما دلت دراساتهم يوم كتابة هذه السطور وهي ظواهر الحرمان والمسغبة المختفية حول زيف هوليوود كما تشاهده شعوبنا وقد انخلب لبها الى حد الانبهار وتأمل استجابات واقبال الناس على مسلسلات دالاس او دانيا ستي (دع عنك) الجسور والجميلة الى آخر قائمة التزييف بالالوان الطبيعية). ومن عجب ان هذه النزعة الانعزالية لها جانبها الموازي والنظير من العلة فهناك من يقول بانها مرادفة لنزعة (الواحدية) او (الانفرادية) بعكس ماتنادي به دعوات العولمة التي اصبحت مقررة على افهامنا صباح مساء من الاخذ بـ (التعددية) ومن بناء (الشراكات ومن تكريس نزعة الاندماجية ضمن اقتصاد العصر الذي تمت (عولمته) او تكاد كما يقول الدعاة والمجندون! العزلة عن اوروبا والحاصل ان دعاة العزلة الجدد في امريكا وعلى رأسهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السناتور جيسي هيلز يقول ان علينا ان نرفض الشراكة مع أحد.. لا مع العالم الثالث الذي يكلفنا باهظ المغارم ولا مع اوروبا الغربية التي لم نلق منها سوى الجحود ونكران الجميل التي ما برحنا نصنعه منذ ايام مشروع مارشال الشهير في الخمسينات ومنذ تكبدنا نفقات الدفاع عن غرب اوروبا ضد الدب السوفييتي في الستينيات والسبعينيات, ثم ها هي اوروبا تدخل في اتحاد سياسي واقتصادي وتنكولوجي وجمركي وثقافي دون ان تفسح المجال للقيم والاعراف والاساليب الامريكية بل هي تجهر برفض تلك القيم والاعراف والاساليب وتتبع في اقطارها اكثر من دعوة ضد الامركة بل وتسمح لمن يتهم الامريكيين بالضحالة والتفاهة وتسطيح الامور, ان دعوة الانعزال تقول بأن تقبع واشنطن خلف متاريس التقدم الذي صنعته داخل حدودها, ولا تتعاطى سوى مع جيرانها المتاخمين, اما دفعا لمشاكلهم الاتية من الجنوب (المكسيك بالذات) او مع (جيران الهنا) في الشمال وهم متقدمون ورافلون بفضل المولى في حلل السعادة والرفاه (كندا بطبيعة الحال). ودعوة الانفرادية في الوقت نفسه تقول دعوة الواحدية أو التصرف الانفرادي بأن على امريكا اذا ارادت ان تتصرف في قضية ما من قضايا العالم فان عليها ان تفعل ذلك منفردة لا تصغي سوى لمصالحها الخاصة, هل نقول الضيقة او المحدودة لا الى منظمات مجتمع مدني في الخارج او الداخل ولا الى امم متحدة ولا الى مناشدات اوروبية تدفع بوحدة الثقافة الهيلينية التي ما برحت تجمع في اطار الحضارة الغربية بين الشعوب الاوروبية والامريكية على جانبي الاطلسي. ان هذه الانعزالية تتوخى هدفا اساسيا يعبر عنه الكاتب الامريكي ديفيد سانغر (فيقول: انه يتمثل في الاحتفاظ بقدرات امريكا بغير تحديات وصون امكاناتها دون ان يستغلها الاخرون. على ان خطورة هذه الدعوة لا تلبث ان تتضح بجلاء حين يترجمها صاحبنا سانغر الى خطوط سياسية فيضيف قائلا: انها تعني الاحتفاظ بقدرات امريكا من اجل العودة الى الاساليب التقليدية للردع والى التطوير والتكديس المستمر للاسلحة داخل الترسانة النووية الامريكية ودفع روسيا (اذا ما استقوت يوما) او الصين (اذا ما طمحت يوما) الى ان تخشى الدخول في سباق تسلح باهظ التكاليف وكيف لا تخشى.. وامامها روسيا أو الصين درس الاتحاد السوفييتي المستفاد وقد نجحت امريكا عبر سباق الاسلحة الى حد دفعه نحو التسابق والاندفاع المحموم نحو تكديس السلاح الى حد دفعه شخصيا الى هاوية الافلاس والتصدع والانهيار والزوال. والحق ان الرئيس كلينتون ادرك خطورة مثل هذا النهج في السلوك السياسي. وربما كان يستشعر غصة الهزيمة التي الحقها بها الكونجرس ازاء رفض الموافقة على المعاهدة النووية المتوخاة, رغم مناشدة الرئيس لاعضاء مجلس الشيوخ ان يتبعوا منطق التروي والامعان وتدبر القوانين قبل ان يخوضوا في غمار الموضوع لهذا عقد كلينتون مؤتمرا صحفيا عقب نتائج التصويت وجاء ضمن تعليقه ما يلي: اذا ماشاءت الظروف يوما بانتخاب رئيس امريكي جديد, اي رئيس يكون معاديا لاجراءات حظر التجارب النووية (لم يكن يقصد أي رئيس بل كان واضحا انه يقصد المرشح بوش الابن شخصيا, فساعتها تجد عجبا: تجد الصين وهي تجري تجاربها الذرية وتجد الهند وقد حذت حذوها وكذلك باكستان. تحذير من كلينتون بعدها عرض كلينتون مغبة هذه التصرفات فقال انها ستكون بمثابة عودة الى سباق تسلح مدمر اقتصاديا.. وبعدها سوف يسارع (خصومه) الجمهوريون الى المطالبة بمبالغ شبه فلكية في حدود 40 مليارا او 50 مليارا سنويا بوصفها بنودا اضافية يريدون بها اعتمادات الدفاع الامريكي في هذا الخصوص عمدت نيويورك تايمز في معرض تعليق فوري على نتائج التصديق الى ابراز حقيقة رأت انه من حق الرأي العام الامريكي ان يدركها جيدا مهما كانت مشاعره بالرفض او السخط بالموافقة او التأييد بالنسبة للرئيس كلينتون هذه الحقيقة تقول في ايجاز شديد: فتش عن الخطر المحتمل الكامن تحت الجمر في جنوب وشرق اسيا هنالك قالت افتتاحية (نيويورك تايمز) ان الخطر في جنوب اسيا يزداد جسامة ولاسيما بعد الانقلاب الذي قاده الجنرالات مؤخرا في باكستان ومن ثم اصبح من الصعوبة بمكان ان تقنع امريكا ايا من الهند او باكستان بالتصديق على معاهدة للحظر النووي فيما امتنع برلمانها شخصيا عن هذا التصديق ثم ان على واشنطن ان تواصل جهودها الحقيقية من اجل الحيلولة بين الاقدام على حيازة السلاح النووي ومحاولة تجريبه من جانب قوى ودول يحتمل ان تكون منغمسة الى الاذنين في غمار تلك الجهود والمحاولات. ايران العراق .. كوريا افتتاحية الصحيفة الامريكية ذات النفوذ الواسع حددت هذه القوى والدول على الوجه التالي: ايران, العراق, كوريا الشمالية وبعد ذلك يحق لنا ان نطرح السؤال: وماذا اذن عن الصين؟ تجيب الافتتاحية التي نحيل اليها في هذه السطور؟ الصين قامت بتوقيع المعاهدة واعلنت موقفا اختياريا من جانبها للتجارب الذرية. وثمة جهود دبلوماسية متواصلة تبذلها امريكا في هذا المضمار مع الصين ومن شأن ما اقدم عليه الكونجرس الامريكي مؤخرا ان يزيد هذه الجهود تعقيدا لماذا؟ لان الصين كانت قد حصلت مؤخرا كما اصبح معروفا على معلومات واسرار ثمينة وخطيرة حول التكنولوجيا النووية الامريكية وخاصة في مجال التصاميم المحسنة للأجهزة النووية وربما حصلت على هذا كله او بعضه من خلال جهود تجسسية نجحت فيها بكين اذ اخترقت جدران الاسرار في المختبرات النووية للولايات المتحدة, والمشكلة ان الموقف الجديد قد يغري الصين بمحاولة اختبار هذه التصاميم وتجريب تلك الاجهزة, ونفس الشيء يمكن ان يغري حكومة مقبلة مازالت في ضمير الغيب تأتي الى سدة الحكم في الكرملين الروسي وتحاول استعادة الكرامة المفقودة او المهددة للأمة الروسية من الهوان الذي انحدرت اليه في ظل حكم بوريس يلتسين. أفق ضيق وتدبير سيىء في ظل هذه الاخطار الحالة (بتشديد اللام) والمحتملة, تصف نيويورك تايمز سلوك الكونجرس ازاء معاهدة الحظر النووي في عبارة قالت فيها: لقد كان استعراضا لضيق الافق وسوء التدبير والتعصب الحزبي.. بل ان الصحيفة تقارن ما حدث في الكونجرس الامريكي بالامس القريب. مما حدث في نفس الكونجرس بالامس البعيد, ان الفارق الزمني بين الحدثين لايقل عن 90 عاما بالتمام والكمال. والحاصل ان واحدا من اعظم رؤساء امريكا وهو ويدرو ويلسون عرض على الكونجرس ان يوافق ويصدق على معاهدة الصلح في فرساي التي تم ابرامها في عام 1919 ايذانا بوضع حد للحرب العظمى الاولى وقد ادى هذا الرفض الى عزلة مقيتة باردة موحشة عاشتها امريكا خلال العشرينيات بعيدة عن اسواق الاقتصاد ومجالات التفاعل مع عالمها مما اسلمها في نهاية العقد العشرين الى اسوأ ظاهرة افلاس ودمار اقتصادي في هذا القرن وقد عرفت باسم (الكساد الكبير) . وفي ضوء هذا الدرس المستفاد من التاريخ انتهت نيويورك تايمز الى القول: ان ما فعله الكونجرس يشكل تخليا خطيرا مدمرا عن مسئولية القيادة التي لابد وان تتحملها امريكا في مجال مراقبة التسلح والحد من الاسلحة وغيره من القضايا الدولية مما يمكن ان يلحق خطرا جسيما بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة بل ومصالحها القومية في الداخل. وبمناسبة التطرق الى السياسة الخارجية لامريكا.. قد نسمح لانفسنا بجزء اخير مكمل لهذا الحديث ان شاء الله. كاتب سياسي من مصر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات