المثقفون العرب الذين يتبنون مقولة فصل الدين عن السياسة والسياسة عن الدين عليهم ان يوجهوا انتباههم الى المعركة السياسية الدائرة حاليا في الاوساط الرسمية والشعبية في اسرائيل بشأن مسألة المستوطنات اليهودية المقامة على ارض فلسطينية . ان المعركة تدور بين رئيس الوزراء باراك وقادة سياسيين (يساريين) من ناحية وبين حاخامات وقادة احزاب دينية من ناحية اخرى. ومن موقعي كعربي مسلم يتابع تطورات المشهد السياسي الداخلي في اسرائيل فانني ارى ان اطلاق عبارة (معركة) على ما يجري حاليا ربما كان غير دقيق... فهو اقرب الى (مشاجرة) بين افراد اسرة واحدة. ما هي اذن القضية المحددة التي يجري حولها التشاجر؟ لرئيس الوزراء الاسرائيلي خطة امنية للوضع الجغرافي العام للمستوطنات اليهودية المنتشرة في اراضي الضفة الغربية, تقضي بازالة ما هو قائم منها في مواقع ارض معزولة وبالتالي نقل سكانها الى مساكن جديدة داخل المجتمعات الاستيطانية الكبيرة. وبذلك يضمن باراك حسب الخطة تركيز الحماية الامنية لجموع المستوطنين في مساحات جغرافية محددة مما يحول دون تشتت الجهد الامني. واعتراض الحاخامات ومؤيديهم يقوم على اساس ان رئيس الحكومة باعتزامه ازالة المستوطنات المنعزلة جغرافيا (وعددها عشر) إنما يفرط في (ارض اسرائيل) . ان القضية الاساسية من المنظور العربي الاسلامي ليست التنازع في حد ذاته بين فريقين اسرائيليين وإنما هي ان الحاخامات اليهود ومن ورائهم احزاب ذات قواعد شعبية يقيمون قضيتهم انطلاقا من اسس دينية بحته. ذلك ان عبارة (ارض اسرائيل) ليست محصورة في اطارها اللغوي البسيط وانما هي عبارة ذات مدلول (توراتي) فالحاخامات يتكلمون من على الشاشات التلفزيونية بجسارة قاطعة عن الضفة الغربية لنهر الاردن باعتبارها ارضاً (موعودة) وعدها الله للشعب اليهودي. ان الاسلام بالطبع يعتبر (التوراة) و(الانجيل) بصورتهما المتداولة منذ قرون, كتابين يزخران بالتحريف اليهودي والنصراني. والقرآن الكريم في هذا الصدد واضح كل الوضوح وقاطع بصورة لا تقبل لبسا وابتداء وانتهاء, فان اليهود من المنظور الاسلامي ليسوا (شعب الله المختار) ... بل هم في الواقع, كما يقول القرآن الكريم, الاشد عداوة لله وللمؤمنين. لكن ليس مهما الآن ان يكون حاخامات اليوم صادقين او كاذبين في دعواهم بأن اراضي الضفة الغربية الفلسطينية ملك يهودي صرف وفق حكم (توراتي) . المهم هو ان الشعب اليهودي يصدقهم... وانه بناء على هذا التصديق تبنى سياسات وتتخذ قرارات اسرائيلية تجاه العرب والمسلمين. صفوة القول اذن ان النزاع العربي الاسرائيلي حول فلسطين هو في الحقيقة صراع بين عقيدتين دينيتين ـ على الاقل من زاوية النظر اليهودية الصهيونية ـ وعندما تتبنى نخب عربية مسلمة المبدأ الغربي الذي يقول بفصل الدين عن السياسة فانهم بذلك يجردون قضية الصراع من جوهرها بينما الطرف الآخر متمسك بعقيدته... يشهرها كسيف سياسي. هذا التناقض ربما يفسر لنا فوران حماسة القاعدة الشعبية في اسرائيل تجاه الاستئثار اليهودي بالسيادة على الارض الفلسطينية بالمقارنة مع موات الحماسة الشعبية بين العرب ابتداء من الشعب الفلسطيني. كما انه يفسر لنا لماذا صار المرتكز الاساسي للسياسة الامنية الاسرائيلية ـ على تعاقب الحكومات ـ هو التصدي لكل جماعة عربية تتخذ من الاسلام مرجعية نهائية في نظرتها الى (عملية السلام) .