آخر ما قرأته عن العراق, ذلك الخبر الذي يقول بان المجلس الوطني العراقي قد قرر منح (وسام صدام) للرئيس العراقي صدام حسين امتنانا له لتصديقه على مرسوم الوسام!! وانه ـ اي المجلس ـ قد خصص جلسته الاخيرة لمناقشة اهمية الوسام ودلالاته ورموزه القومية مع الفنان الذي قام بتصميمه من الذهب الخالص والاحجار الكريمة . بعد قراءة الخبر وجدتني اسأل بعفوية: كم سجين رأي في العراق؟ ولما ادركت سذاجة سؤالي عدلت عنه لسؤال آخر هو: كم يبلغ عدد سجناء الرأي في العالم؟ عندها وجدت عيني تسقط على الصحيفة ذاتها التي نشرت خبر (وسام صدام حسين) لاقرأ فيها هذا الخبر: (سجناء رأي في تونس يضربون عن الطعام) حيث جاء في تفاصيل الخبر بأن نزلاء سجن صفاقص اصدروا بيانا وصفوا فيه انفسهم بـ (سجناء رأي) يقومون بالاضراب عن الطعام احتجاجا على ما آلت اليه الحريات وتردي ملف حقوق الانسان في تونس على حد وصفهم مطالبين بعدة مطالب منها (ترسيخ حرية وشفافية الاعلام) ! يبدو اننا كلنا في الهم شرق, فلسنا وحدنا الذين نعزف هذه الايام على وتر حرية الصحافة وشفافية الاعلام, فاضافة لخبر سجناء تونس ـ فإن المعهد الدولي للصحافة في فيينا قد اصدر تقريرا سماه (سجل شرف الحريات الصحافية) اكد فيه ان ثلثي سكان العالم يعيشون في دول لاتحترم فيها المبادىء الاساسية لحرية التعبير! حيث تحتل امريكا اللاتينية المرتبة الاولى فى التضييق على الصحافة, ففيها جرت نصف عمليات اغتيال الصحافيين خلال العام 1998. اما في (اسرائيل) فان التقرير يقول بان رقابة واسعة تمارس تحت غطاء الامن القومي ولاتنشر الصحافة المحلية هناك انباء كتبتها الصحافة الاجنبية, وفي افريقيا فان البنادق والالغام اكثر من الهواتف واجهزة الراديو والتلفزيون ما يجعل امر تصفية الصحافيين سهلا للغاية وتسييس الاعلام قدرا لا مهرب منه. في اوروبا لايذكر التقرير شيئا عن الدول ذات الديمقراطيات الراسخة او ما نعرفها نحن بدول اوروبا الغربية, فهذه قد انهت معاركها في ساحة حرية الاعلام منذ اقرت مؤسساتها وقضاؤها المستقل وبرلماناتها المنتخبة والمفعلة, اما بلجراد وكرواتيا وجورجيا وروسيا وألبانيا فهذه ضمن دول القائمة السوداء في تعاطيها مع حريات التعبير والاعلام والصحافة. وللذين يعتقدون ان حرية الصحافة شبيهة بموسم التنزيلات لاتحتاج سوى لترخيص من جهة حكومية (كالبلدية مثلا) نحيلهم الى مرافعة المحامي الامريكي (اندرو هاملتون) التي قدمها عام 1735 ودفاعا عن حرية الصحافة في القضية التي ادين فيها جون بيتر زنجر صاحب مجلة (نيويورك ويكلى جورنال) بتهمة اثارة الفتنة بسبب انتقاده لسياسات حاكم المستعمرة الانجليزي. ان قراءة مرافعة هذا المحامي والوقوف عند عام 1735 اي منذ اكثر من 250 عاما مضت من عمر الانسانية تجعلنا نراجع بعض حساباتنا وكل مراهناتنا العاطفية, لكن دون ان نتوقف عن اكمال البناء بالحكمة والتعقل وبالحماس والآمال العريضة وبالرهانات الصعبة التي تصل بالبعض حد المقامرة احيانا. الحرية مثل الديكتاتورية كلاهما تعبير عن حالة مجتمع او عن حالة فرد او جهة, حرية الصحافة افراز لحالة مجتمع واع متعلم حر ومؤسساتي في المقام الاول, ولا تأخذنا الحماسة فنعتقد لان صحيفة تطاولت على وزير بأننا حققنا معجزة حرية التعبير, ذلك ان وزيرا آخر لاتستطيع نفس الصحيفة ان تفكر مجرد التفكير في الاقتراب منه, ما يعني ان هناك اشكالية عميقة ضاربة في جذور التركيبة السياسية والذهنية والاجتماعية لهذا المجتمع العالمثالثي وبان رجلا يدافع عن حرية الصحافة عام 1735 يحق لحفيده ان يفاخر اليوم بحرية الصحافة كما يحق لحفيد المفكر الفرنسي مونتسكيو ان يفاخر بقضاء مستقل وبسلطات منفصلة لا ضغط لاحداها على الاخرى. مسيرة الانسانية سلسلة متصلة من النضال والعمل الدؤوب لمراكمة نتائج صحيحة ماعدا ذلك فحرث في البحر وزرع في قلب العاصفة لا أكثر! عائشة ابراهيم سلطان