كالعهد به أينما ذهب, أعاد نيلسون مانديلا في فلسطين المحتلة تأكيد صورته كزعيم حريص على المبادئ, متمسك بقيم العدل, ورجل دولة من الطراز الأول حتى وهو خارج السلطة وزاهداً بها, وقادر في كل الظروف على قول كلمة الحق أمام الغاصبين والمتجبرين والمستهترين بمصالح وعقول وحقوق الشعوب . مانديلا قام بداية بتذكير الصهاينة أنهم دعموا نظام الفصل العنصري في بلاده, وكأنه يذكرهم أيضاً بأنهم يمارسون السياسة نفسها ضد الفلسطينيين والعرب, وأنه جاء من أجل السلام وليس من أجل نفاق اليهود او اتخاذهم واسطة عند الأمريكيين كما يفعل مع الأسف بعض العرب وبعض زعامات العالم الثالث الذين يهدرون الحق والحقيقة وهم يجرون وراء أحلام وأوهام كاذبة.. فالصهاينة مثلهم مثل المسيطرين على النظام الدولي لا يعرفون إلا المصالح ويستنزفون كل من يلجأ اليهم عاريا مجرداً من عناصر القوة والإرادة. مانديلا قال للإسرائيليين بشجاعة ووضوح وحسم: (إن كل حديث عن السلام يبقى برأيي فارغاً طالما ستواصل اسرائيل احتلال الاراضي العربية, وأن السلام يصبح ممكناً بعد انسحاب اسرائيلي كامل من هضبة الجولان وجنوب لبنان والضفة الغربية) . والأهم من ذلك أنه قال لكل من يدفعون التنازلات غير المشروعة مقدماً, ولكل من يهدرون كراماتهم على أعتاب اسرائيل: (إن أي بلد يحترم نفسه لا يمكن أن يتحدث عن السلام مع إسرائيل طالما تواصل احتلال أرضه) . فهل تصل رسائل مانديلا الى كل المعنيين بمستقبل المنطقة, وإلى كل قوة دولية تكيل بمكيالين, وإلى من يفتعلون الأزمات بين العرب لتدعيم مواقع نفوذهم ولتمكين المعتدي الاسرائيلي من فرض هيمنته واحتلاله للأرض والارادات في المنطقة, وإلى من يجعلون من الأمم المتحدة ومؤسساتها لعبة يستدعونها حين يشاؤون ويتجاهلونها من أجل مصالحهم وحلفائهم الغاصبين. مانديلا قدوة حسنة مناضلاً وسجيناً ورئيساً وزعيماً, وبمثل هذا المنهج تستعاد الحقوق ويردع الظُّلام والنفاق وتتنفس البشرية هواء نظيفاً.