لعل بعض السادة القراء يذكرون انه منذ عدة شهور كان أحد المسئولين الكبار في دولة عربية كبرى أمام كاميرات التلفزيون, يجيب عن أسئلة أحد الاخوة الصحفيين بينما كان في استقبال فريق عربي لكرة القدم يحل في مطار العاصمة على اثر انتصار في احدى الدورات , وهي في الحقيقة عادة عربية مهرجانية طيبة تعود بالفائدة الاعلامية على الفريق الرياضي وعلى المستقبل. ولكن في هذا اللقاء على الهواء مباشرة وقع حدث طريف له ابعاد, فقد دار الصحفي بالحديث منحى اخر فاذا به يسأل المسئول الكبير قائلا: والله سيكون من المفيد للعالم العربي لو تم مثل هذا الاستقبال لشخصية علمية مرموقة مثل الدكتور الاستاذ احمد زويل, وهنا ظهر جليا ان الاسم جديد على ذاكرة المسئول فاستفسر المسئول مستطلعاً: احمد مين؟ فرد الصحفي بسرعة: احمد زويل ياباي .. وأضاف بسرعة أكبر إن هذا الرجل العالم فاز بجائزة الملك عبد العزيز وجائزة بنجامين فرنكلين .. بل وربما فاز بجائزة نوبل وهو يعمل في احدى جامعات الولايات المتحدة (جامعة بنسلفانيا) وهو مواطن عربي ومصري حتى نخاعه.. ان هذه الحادثة العابرة في حياة الوطن العربي تدل على اننا برغم الدروس القاسية التي لعقناها في تاريخنا الحديث مازلنا لم نتحرك نحو الاعتراف بفضل العلم والعلماء, واقصد بالطبع الاعتراف الحضاري السليم, اي توفير مناخ الحرية وتوفير موازين مالية للبحث العلمي, وهذان الأمران متلازمان ضروريان. فالاستبداد السياسي ليس فقط ظاهرة سياسية بل ان انعكاساته الفكرية والثقافية والعلمية والتربوية تظل اخطر واطول مدى واعمق غوراً في حياة الشعوب. ولذلك فان المؤرخين المعاصرين اجمعوا على ان معين الثقافة المبدعة نضب في روسيا لمدة سبعين عاماً.. من 1917 الى 1989 ولم يظهر على سطح الثقافة الروسية الا المنشقون العباقرة امثال الكسندر سولجنتسيني و بوريس باسترناك. فالثقافة حرية أولاً تكون, لا حرية البحث العلمي فحسب, فتلك اسمها الحرية الاكاديمية, وانما الحرية الفكرية للتعبير والنشر والتنظيم والترشح والسفر بجواز سفر والرجوع الى ارض الوطن وحرية اختيار رئيس للجمهورية من بين مرشحين آخرين, لا ان يساق الناس كالقطيع الى استفتاء (شعبي) لقول كلمة نعم. هذه هي الحرية التي يتمتع بها الاستاذ الدكتور احمد زويل في امريكا وهو يحمل جواز سفر امريكياً الى جانب جوازه المصري, والى جانب الحرية لابد ان نخرج من دائرة التخلف العلمي, المرافق دائماً للتخلف السياسي, بأن نتجاوز نسبة صفر فاصل واحد بالمئة من مجمل دخلنا القومي المخصص للبحث العلمي (مقابل 3 بالمئة لليابان و 3,2 للولايات المتحدة الأمريكية و 1,5 بالمئة للهند رغم فقرها وقلة امكاناتها). ثم اننا نحن العرب نختلف ونتميز عن امم كثيرة باننا ننتمي الى حضارة أجلت العلم اجلالاً وكرمت العلماء اكراما, بل ان الاسلام الحنيف رفعهم الى منزلة تأتي مباشرة بعد منزلة الانبياء بوصفهم ورثة الانبياء والمستخلفين في الارض بالمسئولية عن الحضارة. واليوم حين يأتي أول العرب وثاني المسلمين في قائمة نوبل العلمية, فنحن احرى ان نعتز بهذا المكسب الثمين, اعتزاز من يتدبر لا اعتزاز من يفتخر. اي اننا مدعوون لاعادة النظر كليا وجذريا في تعامل المجتمعات - دولاً وجامعات ومؤسسات اقتصادية - مع العلم والعلماء, فنجند رصيدنا وطاقاتنا لكي نحتضن العبقريات ونفتح الآفاق في وجوههم ونتخذ منهم صفوة المستشارين وقادة الرأي, عوض ان نتيح ذلك للمنافقين والمصفقين الناعقين بنداء الخزي المعروف (بالروح والدم نفديك...) لأن الذين يزعقون بهذه العبودية امام قصور الحكام ليس لهم روح ولا دم ولا هم مستعدون للفداء, فهم من الغوغاء التي ستصبح نسيا منسيا مع القرن المقبل وبلا رجعة وبلا رحمة فإن تلك الغوغاء تصفق للواقف وتنزل بخناجرها على ظهور المطروحين ارضاً.. وفي نفس الوقت يغادرنا علماؤنا الافذاذ وقادتنا الفكريون ومناراتنا المخلصون ليضربوا في ارض الله كالطيور المهاجرة. واحمد زويل واحد منهم, حتى ولو سأل المسئول الكبير: احمد مين؟ فهو ليس معروفاً كما تعرف لدينا الراقصات والمطربات ولاعبو كرة القدم.