بينما الضمير العالمي يتداعى بالاحتجاج لمأساة العراق.. يتراخى مجلس الأمن عن رفع الحصار الظالم الذي تجرع ويلاته جوعا ومرضا ويأسا ولا يزال على مدى تسع سنوات.. تظل إرادة الحكام العرب عاجزة طوعا أو غصبا إزاء عقد مؤتمر قمة للتضامن مع الشعب العراقي.. والتحرك الجاد لإنقاذه من محنته . حتى بريطانيا شريكة أمريكا في قصف العراق تباعا بالصواريخ.. لم تعدم الضمائر اليقظة التي تختلف مع سياسة حكومتها الزيلية, وفضح نواياها الرامية لتدميره شعبا وإمكانات وحاضرا ومستقبلا. . وهكذا رمزا لدمار شعب العراق الذي ينزف أنهارا ليل نهار.. اختار جورج كالوي النائب البريطاني عن حزب العمال الحاكم حافلة (أتوبيس) حمراء اللون من طابقين.. بدأت تحركها من أمام ساعة (بيج بن) الشهيرة في لندن يوم 9 سبتمبر الماضي.. في طريقها إلى جولة إنسانية على مدى آلاف الكيلومترات.. تطوف خلالها بعدد من الدول الأوروبية والعربية.. لتذكير الرأي العام بالمأساة العراقية.. وحثه على موقف مسئول يفضي إلى وقف الضربات العسكرية أولا.. إيذانا برفع الحظر الجوي والاقتصادي عن شعب العراق وعودته إلى ممارسة حياته الطبيعية! وقد اختارت القافلة اسم الطفلة العراقية مريم حمزة التي أصيبت بسرطان الدم.. شعارا لمهمتها الإنسانية ولافتة تتصدر الحافلة الحمراء.. كونها واحدة من زهاء نصف مليون طفل فتكت بهم شتى الأمراض التي خلفتها أسلحة الدمار الشامل ضد العراق وفي مقدمتها إشعاعات اليورانيوم وغاز الخردل! على أن القافلة التي انضمت إليها نخبة من خيرة الكتاب والمفكرين والسياسيين البريطانيين.. بينهم هارولد بننز وإندي ديلاتو.. سرعان ما جذبت إليها نخبة أخرى من العرب المقيمين في لندن بينهم الكاتبة المعروفة رنا قباني وصباح المختار رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا.. الأمر الذي أثار نخوة وشهامة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية الذي دعا في أكثر من مناسبة إلى مصالحة عربية مع العراق.. حيث قرر تقديم الدعم المادي اللازم لتفعيل نشاطات القافلة حتى تحقق غاياتها الإنسانية! والشاهد أن قافلة (مريم) حققت حتى الآن نجاحات باهرة في تسليط الأضواء إلى الجوانب اللا إنسانية التي تكتنف جوانب المأساة العراقية.. عبر إثارة اهتمام الصحافة ووكالات الأنباء والقنوات الفضائية والمنظمات الأهلية في بريطانيا والدول الأوروبية التي مرت بها.. فما أن غادرت بريطانيا إلى فرنسا ووصلت إلى أسبانيا وعبرت مضيق جبل طارق.. حتى جرى استقبالها بحفاوة شعبية ورسمية كبيرة في ميناء طنجة.. حيث دارت مناقشات مستفيضة حول الأزمة العراقية بين أعضاء القافلة وممثلي الأحزاب والنقابات وجمعيات حقوق الإنسان والمثقفين والصحفيين في اللقاء الحاشد الذي دعت إليه مجموعة العمل الوطنية لمساندة العراق.. ثم تصاعدت التظاهرات والاحتفاليات.. عند توقف القافلة في العاصمة المغربية.. وعقدت ندوة حاشدة في نادي الصحفيين.. وأخرى في مجلس النواب.. في الوقت الذي حظيت بلقاء رئيس الحكومة المغربية عبدالرحمن اليوسفي الذي أقام حفل عشاء تكريما للقافلة واعتزازا بدورها الإنساني.. حضره الوزراء والفعاليات المغربية وتبودلت الكلمات وصدرت التصريحات وأعلنت البيانات الداعية لإنقاذ شعب العراق! ذلك بعض ما وصلنا من معلومات حول القافلة مريم حتى كتابة هذا المقال.. ولاشك أن نجاحاتها سوف تتواصل عند توقفها في الجزائر وتونس والجماهيرية الليبية.. ومنها تخترق الصحراء حتى تصل إلى مرسى مطروح وفق برنامجها يوم 25 أكتوبر الحالي ومنها إلى الإسكندرية ثم القاهرة.. حيث تختتم جولتها في أعقاب زيارة الأردن بالعاصمة العراقية بغداد.. ولعله فرصة مواتية لتأكيد مكانة القاهرة قلب العروبة النابض.. ودورها التاريخي إزاء التضامن مع الشعب العربي ونصرة قضاياه القومية العادلة. من هنا نحسب أن الشعب المصري بكل طبقاته وفئاته وتنظيماته السياسية والنقابية.. بمثقفيه وفنانيه ومفكريه وكتابه.. مطالبون بالتحشد حول قافلة مريم.. وتأكيد دعمه لمهمتها الإنسانية وأهدافها النبيلة من خلال منظومة (الوفد الشعبي المصري لإغاثة العراق) .. كونها الجهة التي آلت على نفسها علاج ضحايا العراق وجمع التبرعات العينية من الغذاء والدواء والكتب وحتى أقلام الرصاص المحظور دخولها العراق خشية ـ ويا للعجب استخدامها في تصنيع أسلحة الدمار الشامل! وإذا كانت القيادة السياسية في مصر.. كانت ولا تزال في طليعة القيادات العربية الداعية لرفع العقوبات المفروضة على العراق.. والموافقة على عقد قمة عربية شاملة بحضور العراق تفضي إلى مصالحة بينه والكويت والسعودية.. فلعل مهمة قافلة مريم وأهدافها الإنسانية تعجل بتفعيل الموقف المصري ووضعه في حيز التنفيذ.. ولو على سبيل عودة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبغداد.. كمرحلة أولى تتيح لها فرصة وإمكانات إنقاذ شعب العراق وعودته إلى مكانه ودوره العربي الصحيح!. وعلينا أن نتذكر في الذكرى السابعة والعشرين لحرب أكتوبر المجيدة.. دور العراق على مسرح العمليات العسكرية.. حين بادر إلى الوفاء بالمطلوب منه.. عبر مشاركة قواته الجوية في المعركة.. وعلينا أن نتذكر كذلك زهاء مليوني فلاح مصري استوعبهم العراق في مشاريعه الزراعية وكفل لهم الحياة الكريمة.. وبعضهم لا يزال يواصل حياته وعمله وسط أشقائه العراقيين ـ حتى بعد أزمة الخليج ـ يقاسمونهم شظف العيش تحت وابل القصف الصاروخي الأمريكي البريطاني.. ثم علينا أن نستقرئ أولا وأخيرا وبعناية وتأمل مجموعة الوثائق الرسمية الأمريكية التي تطالعنا عبر الإنترنت حول نوايا واشنطن المبيتة سلفا.. لتدمير القوة العسكرية العراقية وقاعدته العلمية والتنموية قبيل سنوات من اجتياح الكويت.. بل إلى حد تحديد الأهداف العراقية المطلوب تدميرها وفي مقدمتها محطات الكهرباء والمياه والصرف الصحي.. كمقدمة لانتشار الأمراض والأوبئة وتلوث التربة العراقية.. وأن المؤامرة الأمريكية برمتها وأهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.. تكمن في إجهاض القوة العربية.. والتمكين لقوة إسرائيل وحدها من التفوق على كل الجيوش العربية مجتمعة.. وتبرير وصول القوات الأمريكية إلى مناطق النفط في الخليج.. فهل حان وقت الإفاقة عبر وثائق الإنترنت أو 40 عضوا في الكونجرس يناصرون العراق أو قافلة مريم الإنسانية؟