جاء الانقلاب الباكستاني بقيادة الجنرال مشرف ليعيد الى اذهان النخب المثقفة في العالم الثالث ذلك السؤال القديم الجديد الذي يبقى مفتوحا حتى اليوم: هل فعلا لا يصلح النظام الديمقراطي الليبرالي الغربي مع مجتمعات البلدان النامية ؟ المثقفون في العالم الثالث منقسمون ازاء هذه المسألة الجدلية. ولكن المشكلة هي ان الغالبية العظمى سواء في هذا الفريق او ذاك يتناولون القضية من منظور (اهلاوي أم زملكاوي؟) واذا كان مثل هذا التقسيم التعسفي جائزا في عالم الكرة فان تطبيقه على عالم الفكر السياسي فيه تبسيط مخل لا يخلو من سذاجة. فالواقع الاجتماعي بين شعوب العالم الثالث معقد الى درجة لا يصح معها تلخيص المعضلة على اساس معادلة سهلة مفادها: الديمقراطية هي الخير الصرف... والحكم العسكري هو الشر الصرف. كما لا يصح بنفس القدر تناول المسألة على اساس افتراض ان المؤسسة العسكرية جسم غريب عن المجتمع وليست جزءا منه. من الناحية النظرية فان الديمقراطية يجب ان تكون المنهج الاصلي لاي شعب من شعوب البلدان النامية. على هذا الاساس فان المفترض ان النظام الديمقراطي التعددي بما يوفر من الحريات الاساسية وسيادة القانون واستقلال القضاء وحيادية الخدمة المدنية يمكن الشعب من اختيار افضل واكفأ وانزه القيادات السياسية لتولي اجهزة الحكم مع ضمان سير مؤسسات السلطة على اساس العدالة. ومن هنا تنطلق البلاد على طريق التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي فتحقق طفرة بعد طفرة بما يؤدي الى ارتفاع منتظم في المستويات المعيشية للأسر والافراد. هذا هو المفترض نظريا. غير ان الديمقراطية ممارسة عملية. وعلى صعيد الممارسة الواقعية في بلدان العالم الثالث فان الامر مختلف تماما. فمؤسسات النظام الديمقراطي في العالم الثالث فاشلة تماماً كما اثبتت التجارب المتعاقبة. هذا ينعكس بالنسبة الى الفرد العادي في تعامله اليومي او الموسمي مع المؤسسات. فالاعضاء الذين يصلون الى المجلس النيابي او مجلس الوزراء عن طريق الانتخابات الحرة ليسوا افضل الناس او اكفأهم او انزههم. انهم في العادة مجرد وكلاء لشريحة ضئيلة تتكون من العائلات النافذة في دنيا التجارة والمال او الاقطاع الزراعي او اصحاب نفوذ قبلي وعشائري, ويكتشف المواطن العادي باستمرار التجربة الديمقراطية ان مهمة هؤلاء النواب كما يرونها هي التضحية بمصالح الوطن من اجل الاثراء غير المشروع لاشخاصهم ومن يمثلون. ومع توالي الممارسات يكتشف المواطن العادي ايضا ان (سيادة القانون) و(تكافؤ الفرص) ليست سوى محسنات انشائية بلاغية فهو على الدوام ضحية لرجال الشرطة ما دام ليس قادرا على رشوتهم... ويخسر قضية عادلة في المحكمة اذا كان الطرف الآخر في القضية من اقرباء رئيس الحكومة... ولن ينال وظيفة عامة وهو الاكثر تأهيلا لها لأن الوظائف تحجز مقدما لاقارب ذوي النفوذ من الثروة. ومع مرور السنين يجد المواطن العادي ايضا ان مستواه المعيشي يتدهور بصورة يومية بينما يرى ويسمع اصحاب الشريحة العليا يمتلكون العقارات ويفتحون الحسابات السرية في الخارج. لكن لننظر ايضا في الصورة من الزاوية المقابلة. الانقلابات العسكرية في العالم الثالث تجد في العادة ترحيبا فوريا من سواد المواطنين. ولكن مع مرور الزمن قد يكتشف المواطن العادي ان الانقلاب الذي رحب به افرز حكما عسكريا اشد فسادا من الحكم الديمقراطي الحزبي مع قهر سلطوي اعظم وطأة. ما الحل إذن؟ لنعترف اولا أنه من المستحيل منع الظاهرة الانقلابية في العالم الثالث طالما ظل التطبيق الديمقراطي على حالة من السوء والفشل. لكن فشل الممارسة الديمقراطية في العالم الثالث لا يجب ان يعني بالضرورة الكفران بالديمقراطية كمنهج ونظام. اذن السؤال الذي يجب ان يكون محل اهتمام النخب المثقفة في العالم الثالث هو: هل يمكن ابتداع صيغة جديدة للنظام الديمقراطي تحافظ على مبادئه وفي الوقت نفسه تتضمن نصا دستوريا توافقيا يسمح للمؤسسة العسكرية بالمشاركة في مؤسسات الحكم الديمقراطي جنبا الى جنب مع الاحزاب... وعلى قدم المساواة ودون طغيان عسكري؟