نختم سلسلة هذه الزوايا حول حرية الصحافة اليوم بتأكيد ان ما يجري حاليا وما يبث في صحفنا التي كادت ان تختنق بالاخبار الرسمية وبأحاديث الانجازات وحدها, من روح جديدة, هو ايجابي بكل المعايير والمقاييس ومهما كانت التأويلات, فحجر مهما كان صغيراً كفيل بتحريك مياهنا الراكدة (إن لم نقل الآسنة) مطلوب باستمرار , ويبقى الاهم مما قيل هو كيفية استثمار الحالة الجديدة لترسيخها وتكريسها لتصبح حالة دائمة وبقواعد واسس ومنطلقات سليمة. واذا كان وزير الاعلام سمو الشيخ عبدالله بن زايد قد اشعل فتيل هذه الحالة وهذه الروح الحماسية تجاه حرية الصحافة بدعوته الصحفيين إلى استغلال هامش الحرية قولا مرة وعملا مرة بدفع صحيفة رسمية بالسير قدما في هذا الاتجاه, فان الدور جاء على الصحفيين والعاملين في حقل الاعلام خاصة المسئولين منهم للعمل على خلق هذا التحول المطلوب في صحافتنا واعلامنا تجاه تكريس روح القانون وذهنية المؤسسات, اي تجاه ترتيب البيت الداخلي, ليكون لائقا مهنيا وقانونيا, لممارسة حرية الصحافة, ولتكون هذه جزءا من نسيج المجتمع لا خرقة طارئة عليه. وهكذا فان جمعية للصحفيين تكون الملاذ الامين لأهل الكار, وتنظم شئونهم وقوانينهم وترعى مصالحهم المهنية والقانونية ليست ترفا في ساحة اجتماعية تعمل صحافتها بحرية لها وعليها مسئولية والتزامات, وهي جمعية ليس من المعقول مرة اخرى ان تؤسسها الحكومة للصحفيين, اذا لم يدرك بعد هؤلاء اهمية وجودها, فيسعون فورا إلى اعلانها ككيان يمثل مصالحهم, مقابل عشرات الكيانات التي تمثل مصالح الآخرين في مواجهة الصحافة, من قطاعات حكومية إلى قطاعات خاصة واهلية. طبعا الامر لا ينتهي عند وجود جمعية للصحفيين لكي تصبح عندنا فورا حرية صحافة, فالمطلوب مع ذلك خطوة اخرى مهمة هي ضرورة وجود قانون مستقل للصحافة يكون اساسا صالحا لتأسيس الصحف وكيفية ادارتها وتحديد ملكيتها ولحقوق الصحفي وواجباته ايضا, فيكون بذلك اساسا صالحا للتقاضي امام المحاكم, حين يمنع اضطهاد الصحفيين أو قهرهم أو منعهم من التعبير أو تجميدهم أو تحقيرهم بأوامر ادارية, فيأخذ كل ذي حق حقه من الصحفي والصحيفة في حالة الضرر عن طريق القضاء, كما يمكن لمثل هذا القانون ان يحفظ بالمقابل حقوق المسئولين وكراماتهم الشخصية من التعسف الصحفي ومن الضرر, فالقانون يخدم الطرفين معا. غير ان القانون وحده لا يكفي لان اغلب حكوماتنا العربية عودتنا على ان تضع القوانين ثم لا تعمل بها, فتعطيل القوانين وتجميدها ممكن في اي وقت, ما لم تواكبه قناعة تامة من الحكومة بأعضائها كافة بأهمية القانون الذي يمنح الصحافة حرية مسئولة, وعلى ذلك يطلب من الحكومة لا تبني القانون فحسب, بل وضع جميع اعضائها بلا استثناء ولا تمييز تحت تصرف الصحافة وبحيث يصبحوا جميعا ومن في حكمهم من مسئولين تنفيذيين سواسية امام الصحافة. ولابد ان يشتمل القانون المقترح على تنظيم الصحف وتأسيسها, ولضمان وجود حرية معقولة للصحافة فان اعادة تنظيم الصحف القائمة بحيث تكون مستقلة تماما أو شبه مستقلة أمر حيوي تماما لمستقبل اعلامنا الوطني عموما ولصحافتنا خصوصا, وبحيث تكون ملكيات الصحف خاصة تماما أو مشتركة مع الحكومة بنسب متفق عليها كما هو حال المصارف مثلا, بمجالس ادارات مستقلة تتولى ادارة هذه الصحف بعيدا عن الحكومة, ويمكن ان نبدأ بتخصيص الصحف الحكومية حاليا ووضع ضوابط تنظيمية للصحف الاخرى كتحويل بعضها إلى شركات مساهمة عامة أو خاصة على السواء, أو بتحديد طريقة ملكيتها ونقل هذه الملكية, وهو الامر المعمول به في كثير من دولنا الخليجية, مثل الكويت والسعودية. طبعا اعادة تنظيم الصحف وهيكلتها لضمان استقلالها الذاتي ماديا ومعنويا, امر جوهري فيما يتعلق بموضوع حرية الصحافة, وضمانة من ضماناتها ضمن قانون الصحافة المقترح, بمثل هذه الاستقلالية في الملكية والادارة معا فان الصحف سوف تكون احرص على مصالحها والدفاع عنها وعلى ارضاء قرائها ايضا من دون توجيه أو خوف.