كلما حدث انقلاب عسكري في باكستان ثار سؤال قديم متجدد: لماذا تستمر الديمقراطية والممارسة الحزبية على تقلبها ومدها وجذرها في الهند, ولا تستمر في باكستان إلا بضع سنين ثم سرعان ما تنهار؟ ويزداد حجم علامة الاستفهام هذه كلما تذكرنا ان البلدين لهما الخلفية التاريخية الطويلة نفسها تحت الحكم البريطاني , فضلا عما يجمع بينهما من وجوه التشابه في الظواهر الثقافية والحياتية وهو التشابه الذي بلغ حد انه حتى افضل الباحثين المتخصصين في شئون البلدين تتماهى امام عيونهم الحدود الفاصلة بين ثقافتيهما. الدراسات الكثيرة التي تناولت هذا الموضوع اتفق معظمها على ان الفرق بين التجربتين الباكستانية والهندية هو ان الاولى تتوزع على كتل بشرية كبيرة متنافسة مثل البنجاب والسند, بينما تتوزع الكتل البشرية الهندية على عدد كبير من الاعراق والفئات والديانات, ولا تكاد تظهر بينها كتلة متجانسة كبيرة تستطيع ان تسيطر سياسيا دون ان يتحداها الآخرون. التماثل مقبول وممارس في باكستان والاختلاف محبذ ومكرس في الهند, لكن الديمقراطية الهندية عاشت طويلا على اختلاف درجاتها, فيما عانت الديمقراطية في باكستان من هذا التماثل في الكتل الكبيرة الى درجة ان الفئة الحاكمة تكاد تحتكر السلطة عندما تصل الى الحكم, ففي الهند الصراع نسبي ومقنن, وفي باكستان الصراع قطعي وغير خاضع لقوانين مكتوبة او غير مكتوبة لضبطه, هذا ما يجعل من باكستان ارضا مهيأة للانقلابات العسكرية وقد يكون هذا التفسير موفقا او نسبيا, ولكن الحقيقة القائمة ان الانقلابات تفرخ في باكستان, وليس لها ذكر في الهند. ولعل هذه الظاهرة تفصح لنا عما نراه يحدث لقوى المعارضة في البلدين فالمعارضة الهندية دائما داخلية غير منفية وغير مطاردة في الخارج تصفي معاركها السياسية في الداخل, تدخل الى الحكم وتخرج منه, وتعارض بشدة او ليونة, ولكن دون اللجوء الى العنف او الانقلابات العسكرية فقط عندما يشتد الضغط يلجأ الجميع الى صناديق الاقتراع. اما على الجهة الاخرى فنجد المعارضة الباكستانية منفية مطاردة تدخل السجون والمعتقلات ولنا امثلة عدة فيما جرى من احداث حيال الرئيس الاسبق ذو الفقار علي بوتو الذي تم اعدامه العام 1979, ثم ما حدث لابنته من بعده بنازير بوتو, التي هجرت اكثر من مرة من قواعدها في الداخل الباكستاني, وكذلك ما تعرض له عدد من قيادات باكستان التاريخيين والحاليين, من بينهم نواز شريف نفسه رئيس الوزراء المطاح به وهو ما يمثل ظاهرة في طبيعة العلاقات السياسية في باكستان وهي علاقات تتسم بنفي الآخر ومطاردته ثم الانقلاب عليه. ظن البعض ان ظاهرة الانقلابات العسكرية صارت من قبيل الظواهر المنقرضة في عالم السياسة بعد انتهاء الحرب الباردة بين القطبين الغربي والشرقي وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق, وبقيت هذه الظاهرة معزولة في مجاهل افريقيا سنوات, بينما غصت دراسات السياسيين بتوقعات متفائلة بأن القرن الحادي والعشرين الذي يتقدم باتجاهنا سريعا, سوف يحمل معه ـ من بين ما يحمل ـ تدعيما لظاهرة التغير السياسي السلمي, والتداول الهادىء للسلطة وهو ما سيضطلع به الحزبيون والسياسيون من خلال تطور المجتمع المدني, فيما ستؤول ظاهرة الانقلابات العسكرية الى صندوق المحفوظات القديمة في كتب التاريخ. إلا ان انقلاب الجنرال برويز مشرف الاخير في باكستان ـ وهو بالمناسبة اول من يستولي على السلطة المطلقة ممن يسمون في باكستان بالمهاجرين (المسلمين القادمين من الهند) ـ هذا الانقلاب قد نقض تلك النظرية او على الاقل جعل سيادتها محل شك, فأعاد لنا من جديد التفكير في دور القوات المسلحة في السياسة الداخلية لبلدان العالم الثالث, وهو الامر الذي قد يفتح شهية آخرين في مجتمعات اخرى تتأزم العلاقات السياسية فيها كما تأزمت في باكستان اخيرا. القشة التي قصمت ظهر البعير كما يعرضها العسكريون في باكستان والتي ادت الى الانقلاب الاخير هي الموقف السياسي الذي اتخذه رئيس الوزراء المعزول نواز شريف بموافقته على انسحاب القوات الباكستانية الى خط الهدنة بين الهند وباكستان في كشمير بعد الاشتباكات الاخيرة, وهو الموقف السياسي الذي لم يقبل به العسكريون, فتأزم الموقف متحولا الى صدام قاد رئيس الوزراء الى العزم على عزل قائد الجيش مشرف الذي اندفع بدوره في الاتجاه المضاد, فقام بالانقلاب على الحكومة المدنية. قلت القشة التي قصمت ظهر البعير, ولكن ظهر البعير هذا كان محملا الى درجة لا يطيقها من الثقل السياسي الذي تراكم في السنوات الاخيرة من جراء الممارسات السياسية الباكستانية. لقد عاشت حكومة نواز شريف في السنوات الاخيرة على تغذية الشعور المتشدد في ضوء المشاكل التي تواجهها اقتصاديا, وهو تكتيك تلجأ له الحكومات في العالم الثالث لصرف الانظار عن المعاناة الداخلية اقتصاديا واجتماعيا بالتلويح بالعلم الوطني, فقامت بإذكاء سباق التسلح النووي بينها وبين الهند وفجرت علنا اكثر من تجربة نووية ثم دخلت في صراع مسلح محدود مع الهند حول كشمير, على خلفية هذا التسلح النووي, إلا ان حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر, كما يقول المثل المشهور فأجبرت على التراجع عن طريق سحب المتسللين الباكستانيين الذين تحصنوا في الجبال في الجانب الهندي لاقليم كشمير, كان ذلك بعد محادثات مع الرئيس الامريكي تجنبا لحرب شعواء قد تتحول الى حرب نووية في اي لحظة بين المتنافستين الهند وباكستان, إلا ان الاحتقان في الشارع الباكستاني والعلاقات غير الصحية بين المعارضة والحكومة, وبين الاخيرة وقطاعات واسعة من الشعب الباكستاني قد اشعلت فتيل التظاهرات التي طافت مختلف المدن الباكستانية, حيث حمل المتظاهرون لافتات تقول (نواز شريف باع قضية كشمير) . نواز شريف غامر في اتجاه آخر وهو العلاقة مع طالبان التي تؤوي الارهابي الدولي اسامة بن لادن وبعض قوى الارهاب الاخرى, كما ترفض الحكومة الباكستانية تقديم مساعدات لوجستية لالقاء القبض على بعض هؤلاء الى درجة ان بعض اعضاء الكونجرس الامريكي طالبوا بوضع باكستان على قائمة الدول المناوئة للسياسة الامريكية ـ شأنها شأن العراق وكوريا الشمالية من بين دول اخرى ـ مما زاد في عزلة حكومة نواز شريف الخارجية, كما زاد من عزلة باكستان استياء ايران من موجة العنف التي تستهدف الشيعة في المدن الباكستانية, وهي موجة اصولية شجعها نواز شريف لاسباب سياسية في البداية, ثم وجد ان الثمن الذي تطلبه كبيرا فصرف عنها النظر وبالتالي قابلت الانقلاب الاخير بالرضا والقبول. الجيش الباكستاني هو مرجعية تاريخية للحكم في تلك البلاد فقد حكم اكثر من نصف تاريخها الاستقلالي الذي بدأ منذ اثنين وخمسين سنة, بل ان بعض المراقبين يعتقدون انه دون هذا التدخل قد تنجر باكستان امام التنافس السياسي الحاد بين الاقطاب والتيارات المتناقضة في داخلها الى حرب اهلية لا تبقي ولا تذر, ولقد كان الوضع الشعبي متدهورا الى درجة ان استطلاعا للرأي اجراه فرع معهد (جالوب) في العاصمة الباكستانية في اليوم الثالث للانقلاب اظهر ان 75% من الباكستانيين يؤيدون تشكيل حكومة غير حزبية فيما يؤيد ثلثهم الحكم العسكري المباشر. عودة العسكر الى الحكم في باكستان لا تعني نهاية للمشكلات التي تواجهها البلاد, فهي مشكلات هيكلية منها الاقتصاد المتردي ومنها اشكال التعصب العرقي والفئوي والايديولوجي التي سادت بحيث لا تترك مساحة معقولة للحوار. وعودة العسكر سوف تجعل من السهل على الحكومة اليمينية في الهند ـ وتحت حكم الهندوس المتعصبين ايضا ـ ان تنفذ برنامجها النووي باندفاع اكبر, تبرزه للعالم ودون خوف من ردة فعل خارجية في ضوء عزلة باكستان سواء في الغرب او في الشرق, حيث ان روسيا لا تنظر بعين الرضا الى ما يحدث في افغانستان وما تفرزه على حدودها الجنوبية. مستقبل باكستان الديمقراطي في شك, لقد قوضت الاحزاب الباكستانية الكبيرة بعضها بعضا, فكلما جاء حزب كشف المستور عن فساد السياسيين الآخرين, والقى بهم في السجن ولم تبق في باكستان قوى مدنية تذكر, بل ان بعض الاحزاب المتعصبة والصغيرة قد فرحت بالانقلاب واقامت له الزينات لعلها تنال نصيبا من كعكعة الحكم في المستقبل, كما ان معظم قادة المؤسسة العسكرية الكبار قد تمت ازاحتهم في اوقات سابقة من قبل الحكومات المدنية المتعاقبة خوفا من الانقلابات, وتبقى باكستان في النهاية تحت حكم مؤسسة عسكرية يفتقر قادتها الى الخبرة السياسية والمران. لكن الوضع الذي يحكم الجارتين اللدودتين المتقابلتين ـ في الغرب من الخليج ـ هو غير وضعهما السابق, فالهند وباكستان صارتا دولتين نوويتين كما انهما تميلان الى التعصب وايواء الراديكالية القومية او العرقية او الايديولوجية, لذا فإن رياح التنافس والصراع من جهة, ورياح التغيير من جهة اخرى لاشك قد تصلنا بعض اثارها هنا في الخليج وهي رياح لا تحمل الضنك الاقتصادي, والحروب التقليدية والتعصب بأشكاله المختلفة فحسب, لكنها ستحمل هذه المرة الغبار النووي كذلك, وهو كما يعلم الجميع غبار خبيث.