الى اي مدى يصح ان نصدق دعوة اطلقها وزير فلسطيني (الى الفلسطينيين والعرب والعالم) ليهرعوا الى مقاومة برنامج رئيس الحكومة الاسرائيلية لاضفاء شرعية نهائية على المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية؟ فالسياسة الامنية المطبقة التي تعتمدها السلطة الوطنية الفلسطينية هي قمع الفلسطينيين , جماعات وافرادا, لدى آية بادرة احتجاج. فالاحتجاج في هذه الاحوال يعتبر (عداء لعملية السلام) . ان مصداقية السلطة الفلسطينية تواجه الآن اخطر امتحان منذ قيامها قبل خمس سنوات ومع الاخذ في الاعتبار ان قيادة السلطة ليس لها برنامج مناوىء لبرنامج حكومة باراك الاسرائيلية فان جوهر هذا الامتحان يتمثل في سؤال هو: الى اي مدى ترضي القيادة الفلسطينية لنفسها مسايرة التنفيذ العلمي للبرنامج الاسرائيلي الخطير مع الحرص على كبت اية مقاومة وطنية ضده؟ ولنتساءل اولا: ما هو البرنامج الاسرائيلي؟ لقد جاء رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي الى السلطة وهو يحمل اجندة محددة وموضوعة بعناية فائقة تقوم على شراء الوقت بحيل متنوعة وصولا الى ذروة حدد لها شهر فبراير عام 2000 حيث يستطيع, وفقاً لحساباته, فرض (اعلان مبادىء) جديد على القيادة الفلسطينية, وتجاوزاً للتفاصيل الثانوية فان (اعلان المبادىء) هذا يعني ببساطة التصور الاسرائيلي لكيان (الدولة الفلسطينية) المستقبلية مضموناً وشكلاً. بناء على هذا التصور الاسرائيلي فان الكيان المرتقب لن يكون دولة بحال من الاحوال الا من حيث الاسم فقط. فهو في الحقيقة استمرار الاستعمار الاسرائيلي للضفة والقطاع بموجب شكل مختلف يؤكد جوهريا على استمرار السيادة الاسرائيلية مع بقاء (سلطة) فلسطينية لتكون وكيلا للحكم الاسرائيلي. هذا هو المعيار الذي ينبغي ان نقيس به اية خطوة يخطوها باراك خلال المساحة الزمنية التي تمتد من الآن والى فبراير المقبل, واحدث هذه الخطوات ما وقع مؤخرا في تحرك لرئيس الحكومة الاسرائيلية يبدو ظاهريا وكأنه ضد الاستيطان والمستوطنات. فقد قرر (إزالة) عدد في المستوطنات المقامة على مرتفعات داخل الضفة على اساس انها مستوطنات (غير شرعية) مما اغضب المستوطنين. ونحن هنا بازاء تلاعب ذكي بمفردات اللغة, فالزعيم الاسرائيلي الذي تنطلق كل سياساته وممارساته من اعتبارات الامن الاسرائيلي يهدف الى تحقيق هدفين, احدهما امني والثاني سياسي ـ دعائي. فمن الناحية الامنية يريد باراك اخلاء المرتفعات لاقامة منشآت عسكرية عليها استفادة من قيمتها الاستراتيجية السياسية الدعائية فان تسميته لعدد محدود من المستوطنات المقامة على المرتفعات اقيمت عشوائيا بانها غير شرعية تعنى اضفاء (الشرعية) التلقائية الرسمية على كافة المستوطنات الاخرى المنتشرة في الضفة وغزة. ان معنى هذا التحرك الاسرائيلي ليس غائبا عن ذهن رجال السلطة الفلسطينية بدليل ان احد وزرائها اطلق صيحة نفير موجهة الى الفلسطينيين والعرب والعالم في هذا الشأن, بل وان الوزير الفلسطيني سمى الاشياء باسمائها الصحيحة عندما نعت باراك بانه (مخادع) . غير ان الصيحات الاعلامية التي تنطلق من حناجر قادة السلطة الفلسطينية من حين لآخر تتناقض رأسيا مع الممارسات الحقيقية للسلطة على صعيد التعامل الرسمي مع القيادة الاسرائيلية. فالاولوية المعتمدة لدى اجهزة الامن الفلسطينية ـ كما نرى ونسمع يوميا ـ هي خدمة الاجندة الامنية الاسرائيلية عن طريق قمع اية مظاهرة احتجاج فلسطينية واعتقال قادتها لأمد غير محدد. تأسيسا على ذلك فان الصيحات الاعلامية التي تصدر عن الشخصيات القيادية الفلسطينية ليست فارغة من المضمون فحسب... وإنما يمكن ايضا ان تصلح كستار دخاني للخطوات العملية الاسرائيلية على طريق الوصول الى فبراير. والسؤال الذي ينبغي ان يطرح هو: هل الستار الدخاني فعل متعمد؟! احمد عمرابي