معركة حظر التجارب النووية في واشنطن ، بقلم: جيمس زغبي ، رئيس المعهد الأمريكي العربي

من المعتاد ان يأخذ التحزب السياسي محل العملية التشريعية في واشنطن خلال السنة الانتخابية. لكن الغريب الآن هو أن هذا الأمر قد بدأ ومازالت هناك اكثر من سنة كاملة على الانتخابات الرئاسية وان هذا التحزب اخذ يؤثر على مجرى السياسة الامريكية الخارجية . ووصلت درجة التسخين في الاجواء الامريكية والهوة الفاصلة بين الحزبين مرحلة لم يتردد بها مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون الآن في توجيه ضربة قاسية للرئيس الديمقراطي الاسبوع الماضي بخصوص قضية التصديق على المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية. وفي الوقت الذي يوجه فيه بعض المراقبين اللوم الى الجانبين على نتيجة التصويت في مجلس الشيوخ, فإن البديل الأمثل الذي بقدور هؤلاء اقتراحه هو عدم الاقدام اصلاً على طرح هذه القضية للتصويت. خصوصاً وان هزيمة الاتفاقية في المجلس كانت محتومة لوجود مجموعة متشددة فيه تعارض أي اتفاقيات جديدة للحد من التسلح ولأن زعيم الأغلبية الجمهورية في المجلس ترينت لوت كان يخشى فقدان الدعم من جانب جماعته إذا ما وافق على أي حل وسط مع البيت الأبيض. ومازال لوت حتى الآن يعاني من الانتقادات التي تعرض لها عام 1997 لتعاونه مع الادارة الامريكية لضمان التصديق على معاهدة الاسلحة الكيماوية وكانت معارضة لوت للتعاون بشأن المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية قد تركت البيت الابيض أمام خيارين اثنين, سحب المعاهدة لاعادة النظر فيها من قبل مجلس الشيوخ لمدة عام ونصف اخرى أو طرحها للتصويت ورؤيتها تفشل. فبالنظر لمعارضة الجمهوريين القوية لاتفاقيات السيطرة على التسلح عموماً, لم يكن من المحتمل أبداً أن تحصل المعاهدة الشاملة لحظر التجارب النووية على الموافقة أو أن تتحول القضايا التي اثارها فشل المعاهدة لشأن يشهد تحزباً مرتفع الحدة. وبينما يؤكد انصار الاتفاقية على النواحي الامنية لها وعلى فوائدها طويلة الأمد والمتمثلة في انهاء التجارب النووية اجمالا, يشير منتقدوها الجمهوريون الى نقاط ضعفها والى التهديد الذي ستمثله على أمن الولايات المتحدة. والاتفاقية بشكلها الحالي تنص على حظر دولي لكل تجارب التفجيرات النووية و إنشاء محطات مراقبة دولية للتحقق من الالتزام بها والقيام بالتفتيش في أي مواقع اختبارات مشبوهة. من جانبهم يصر انصار الاتفاقية الشاملة لحظر التجارب النووية على ان شروط المراقبة والحظر العالمي على التجارب الواردة فيها ستكون (دعامة لاتفاقية حظر الانتشار النووي) وانها ستكون قادرة على افراز آلية تضمن عدم حصول أي تطورات نووية جديدة. أما معارضوها الجمهوريون, فهم على كل حال قد وقفوا طويلاً ضد أي اتفاقيات للحد من التسلح سواء كان ذلك كاستراتيجية أو كمبدأ, حتى ولو كانوا قد صوتوا لصالح بعض الاتفاقيات سابقاً. ويجادلون بأن كل ما سينتج عن المصادقة على الاتفاقية الشاملة لحظر التجارب النووية هو اضافة الولايات المتحدة مقابل عدم ضمان ردع (الحكومات المناوئة) عن انتاج وتطوير اسلحة جديدة. ويلخص احد المحللين جدل المحافظين بأنه نتيجة (خوفهم من أن اتفاقية حظر التجارب النووية إنما هي أولى الخطوات الخطرة نحو اضافة الرادع النووي الامريكي ومنع الولايات المتحدة من بناء اسلحة احدث واكثر فتكاً في المستقبل. وهؤلاء يهاجمون بضراوة انصار الاتفاقية ويصفونهم بأنهم (واهمون يعتقدون بسذاجة منهم بأن الحد من التسلح يمكن له أن يوجد عالماً أكثر أمناً) . في السابق, حتى هذه الاختلافات الحادة في وجهات النظر كان يمكن لها أن تجد طريقاً نحو حلول وسط, خصوصاً عندما تكون عيون العالم كلها تراقب واشنطن وعندما تصبح القيادة الامريكية العالمية هي ما يتعرض للاختبار. لكن مع التحزب المحموم في ظل الأجواء الانتخابية لعام ,2000 لم يعد من المستطاع تحقيق مثل هذا التضامن الحزبي الثنائي. واعترافاً منه بالطبيعة التحزبية لهزيمته, رد الرئيس كلينتون بعبارات هادئة على ما أسماه (عدم اكتراثهم من خلال مؤتمر صحفي عقده الرئيس في اليوم التالي للتصويت في مجلس الشيوخ, اتهم الجمهوريين بأنهم يهددون (الرخاء الاقتصادي الامريكي والآن أمنها القومي) . واضاف (بالأمس, صوت الجمهوريون المتشددون ضد الاتفاقية الشاملة لحظر التجارب النووية. وتلك كانت سياسة حزبية بأسوأ أشكالها, لأنها كانت فجة جداً, وبسبب المخاطر التي تحملها بالنسبة للشعب الأمريكي وللعالم, .. بتصويتها الأمس, قررت الأغلبية الجمهورية ان تدير ظهرها لخمسين عاماً من القيادة الامريكية لجهود منع انتشار أسلحة الدمار الشامل) . ومن جانبه, استثمر نائب الرئيس آل جور هذه المناسبة وقال في أول محاولة لاستغلال التلفزيون لدعم حملته الانتخابية: (ليس هناك تحد أكبر من وقف انتشار الاسلحة النووية) . أما جورج بوش حاكم تكساس, وبعد اسبوع فقط من هجومه العلني على مؤتمر الجمهوريين لتجاهلهم وسلبيتهم تجاه الفقراء, فقد أكد على دعمه لقرار مجلس الشيوخ. ووصف الاتفاقية الشاملة لحظر التجارب النووية بأنها (معيبة) , وهو ذات الموقف الذي شاركه فيه بقية المنافسين الجمهوريين على الترشيح لانتخابات 2000. وهكذا نرى بأن هذه القضية وقبل 14 شهراً على الانتخابات ومثل العديد غيرها قد اصبحت محوراً للجدل الحزبي وهو الجدل الذي سيزداد حدته خلال العام المقبل, وفي هذه الظروف لن نشهد إلا القليل من العملية التشريعية الإيجابية لتصبح الادارة الامريكية مقيدة وغير قادرة على متابعة جدول اعمالها, حتى لو كانت القضايا السياسية المحلية أو الخارجية هي المتضررة. وعلى سبيل المثال صادق الكونجرس الامريكي على ميزانية المساعدات الخارجية ملغياً الاموال التي طلبها الرئيس لدعم تطبيق اتفاق واي. كما لم يبد الكونجرس ايضا ومرة أخرى الا القليل من الرغبة لدفع الاموال الكبيرة المستحقة للامم المتحدة على الولايات المتحدة. وهذا البخل في المساعدات الخارجية ناجم إما عن وجهات نظر انعزالية يعتنقها بعض المحافظين أو عن مناورات تخريبية تجعل من مهمات الادارة الامريكية تواجه المزيد من الصعوبات في جهودها السلمية الدولية. ومازالت تنتظرنا معركة شعواء بين الرئىس والكونجرس هي ابعد ماتكون عن الاتفاق مع وجود مؤشرات تنبئ بإمكانية تكرار ايقاف عمل الحكومة الذي شهدناه عام 1995. والناحية المحبطة هنا هي المدى الذي نجح هذا العداء التخريبي في احباط عمل الحكومة. وهو الاحباط الذي ابقى ثقة العامة في السياسة والسياسيين منخفضة على الرغم من أولئك السياسيين المهتمين فعلاً بالعواقب يوزعون ولاءهم بالتساوي بين الحزبين. والنتيجة هي أن ثلث الامريكيين تقريباً الآن قد اصابتهم حالة الاغتراب عن السياسة بمجملها وهو ما فتح المجال امام الحزب الثالث (المناوئ للسياسة) وللجهود المستقلة التي اخذت تظهر هنا وهناك في البلاد) من كسب بعض التأييد لكن دون ان تحدث اي تغيير حقيقي. والاهم من ذلك في هذا السياق هو ان الامريكيين ليسوا وحدهم من يحسون بالاغتراب نتيجة (اللعبة) التخريبية, لكن باقي العالم الذي يشعر بالقلق اخذ برأي القيادة الامريكية بخصوص القضايا الحساسة وقد بدأت تصاب بالشلل بسبب الاساليب العتيقة في واشنطن. وليس بوسعنا إلا أن نأمل بأن ما حصل بخصوص الاتفاقية الشاملة لحظر التجارب النووية والمديونية الامريكية الدولية سيوقظ البعض في واشنطن ويدفعهم نحو دفع التحزب جانباً وافساح الطريق نحو التصرفات الأكثر مسئولية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات