خط مباشر: الظاهرة الانقلابية ، بقلم أحمد عمرابي

لماذا يقع انقلاب عسكري في بلد ما يقوم نظام الحكم فيه على اساس الديمقراطية التعددية؟ ما الذي يدفع مجموعة من الضباط إلى التفكير في تدبير عملية للاستيلاء على السلطة؟ وما الذي يغريهم مقدما بأن النجاح سوف يكون حليفهم؟ الاسئلة تطرح كلما وقع عمل انقلابي في جزء ما من العالم, والحديث بالطبع عن العالم الثالث: فالظاهرة الانقلابية العسكرية قاصرة عليه. وبغض النظر عن الهوية السياسية لمجموعة الضباط الذين يتآمرون لتدبير عمل انقلابي لتعطيل نظام ديمقراطي فان القاسم المشترك بين كل العمليات الانقلابية في الماضي والحاضر والمستقبل هو تبلور (الطرف الملائم) لتنفيذ الخطة, وتعريف (الظرف الملائم) هو ان يبلغ التذمر الشعبي العام ضد الحكومة القائمة درجة عدم الايمان بالنظام الديمقراطي نفسه. عندما يتبلور هذا الظرف تماما فان القطاعات الجماهيرية تكون قد فقدت اي حافز ليس فقط للدفاع عن الحكومة الحزبية القائمة بل عن النظام الدستوري الديمقراطي نفسه. والضباط اصحاب الذهنية الانقلابية يدركون مثل غيرهم طبيعة هذا الظرف عندما يبلغ اعلى درجاته من الغليان, فهم جزء لا يتجزأ من المجتمع. يحضرني في هذا الصدد فترة الشهور القليلة السابقة على وقوع انقلاب 25 مايو ,1969 بقيادة نميري, في كل جلسة سهر في الخرطوم, في ذلك الحين كان الحضور يتبارون بين التنديد بالقيادات الحزبية على صعيدي الحكم والمعارضة ثم يعرج الحديث إلى سب الديمقراطية كنظام, لكن ما راعني حقا ان مثل هذا الحديث يجري في نادي ضباط الجيش, كان الضباط الذين كنا نجالسهم قد نزعوا عن انفسهم كل تحفظ سياسي فيسبون ويلعنون في صراحة. (الظرف الملائم) اذن هو ان ينتشر اجماع جماهيري متصاعد على الاستهتار بمبادىء النظام الديمقراطي ومؤسساته بما في ذلك الحكومة والبرلمان والحريات والدستور نفسه, بالتالي تفقد هذه المؤسسات هيبتها وتسقط في نظر الناس. وعندما يتدخل العسكر ويجهزون على النظام الديمقراطي فانه لا يمكن استثناء احد من ظاهرة الاستهتار بالديمقراطية, فالكل قد ساهم سلفا في اغراء العسكر بأن الديمقراطية عبث: الحكومة الحزبية ببذلها وعودا ثم النكوص بهذه الوعود, والمعارضة الحزبية باستمرارها لعبة الكيد السياسي مع الحكومة بهدف تعطيل نشاطها, والنقابات العمالية والمهنية بارهاق الحكومة بمطالبات تعجيزية مع تأجيج الشارع بمظاهرات لا تنتهي. هذا التناحر يبلغ ذروة معينة فتصدر اشارة جماهيرية يدركها الضابط الانقلابي جيدا عندما يتجادل شخصان حول (ما هو البديل) فتصير الاجابة التي يتسارع ويتسع تداولها: (أي شيء .. حتى لو كان الشيطان) ! هذا مما يفسر لنا لماذا تلقى أية عملية انقلابية عسكرية ترحيبا جماهيريا في البداية مشفوعا بعدم اسف على القيادات الحزبية أو النظام الديمقراطي نفسه, ومثل هذا الترحيب تستثمره الطغمة الانقلابية بالطبع لتكسب الوقت من اجل تثبيت موقعها في السلطة بتبني اجراءات امنية صارمة بحق القيادات الحزبية. لكن في اغلب الحالات في العالم الثالث سرعان ما يتبخر التأييد الشعبي قبل ان يكمل النظام العسكري عامه وبعد ان يتضح عمليا انه ليس بأقل سوءا من النظام المدني, وربما اسوأ. ويتحسر الناس على النظام الحزبي, ثم تتحول الحسرة عبر سنين إلى تذمر, ومع تحول التذمر إلى غضب عام يعم الشارع قد يحدث في بعض الحالات تغيير يعيد النظام الحزبي الديمقراطي. وتتكرر الدورة: في غضون شهور تتلاشى الفرحة الجماهيرية, ومع توالي فشل الحكم الحزبي الديمقراطي يتصاعد التذمر الشعبي الذي يفضي إلى الكفران بالنظام الديمقراطي نفسه, وهذه هي أم المآسي في العالم الثالث.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات