القط(توم)والفأر(جيري)هما أبرز وأشهر شخصيات الرسوم المتحركة التي أبتكرتها(والت ديزني)وهي قدم السعد الذي طار باسمه في أنحاء العالم, وحقق له الشهرة والمجد والمال, ليصبح علامة تجارية مميزة, ودجاجة تبيض الذهب في كل نصف ثانية! أما السبب فلأن الصراع بين القط والفأر, هو تلخيص للصراع منذ بدء الخليقة, بين الأقوياء والضعفاء, والأغنياء والفقراء, والمستعمرين والخاضعين للاستعمار, ولأن أفلام (والت ديزني) تنتصر للفأر الصغير المسكين (جيري) ضد القط السمين (توم) فقد اجتذبت الكبار والأطفال, وفتحت باب الأمل لكل فئران العالم بأن باستطاعتها رغم ضعفها وهوان شأنها الانتصار على كل قطط العالم, رغم الأسلحة النووية والصواريخ العابرة للقارات, فالعقل يمكن ان يتغلب على العضلات, والذكاء يمكن ان يهزم القوة. والمعركة التي دارت خلال الأسابيع الأخيرة بين شركة (ديزني لاند) واسرائيل من جانب وبين ما يسمى (الأمة العربية) من جانب آخر, بسبب سماح الأولى للثانية بأن تضع على جناحها في معرض الألفية الثالثة عبارة (القدس عاصمة اسرائيل) أقرب ما تكون إلى أحد أفلام (توم) و (جيري) بصرف النظر عمن هو (القط) ومن هو (الفأر) . ومع ان المعركة قد انتهت فقد اختلف العرب في تقييم نتائجها تطبيقا للقاعدة التي تقول ان العرب يتفقون دائما على ألا يتفقوا, ويتوحدون عادة على ألا يتوحدوا.. فقد أقسم بعضهم برأس القائد المظفر الدكتور عصمت عبدالمجيد انها قد انتهت بانتصار ساحق للعرب, وان (توم) الذي هو الشركة الأمريكية وحليفتها الدولة العبرية قد أخذ علقة ساخنة وأجبر على تغيير عنوان الجناح من (القدس عاصمة اسرائيل) إلى (القدس قلب اسرائيل) بل ان المستر (توم) قد سمح للسلطة الوطنية الفلسطينية ويمثلها الرئيس عرفات, بأن تقيم جناحا في المعرض نفسه يعلق على بابه لافتة تقول (القدس رمش عين فلسطين) . لكن عربا آخرين يؤكدون انه لا فرق بين (عاصمة) و (قلب) وان اصرار الرئيس عرفات على ان القدس رمش عينه أو (فشته) أو حتى (كليته) لن يغير من الحقيقة شيئا, وان العرب قد انتكسوا كالعادة في حرب ديزني لاند, كما انتكسوا من قبل في (حرب 48 لاند) و (56 لاند) و (67 لاند) و(مدريد لاند) , و(أوسلو لاند) وان ما حدث في الحرب الأخيرة لا يختلف عما حدث فيما سبقها من حروب, فمع ان العرب (جيري) الغلبان الضعيف المسكين إلا انهم يتصرفون عادة باعتبارهم (توم) القوي.. وهكذا أعلن الفيلد مارشال عصمت عبدالمجيد التعبئة العامة, وحدد الموعد الذي سيطلق فيه العرب الرصاصة الأولى, وأذاع في كل الفضائيات والأرضيات ان وزراء الخارجية العرب سوف يقررون مقاطعة (ديزني لاند) في اجتماعهم على هامش دورة الأمم المتحدة, مقاطعة شاملة, سوف تنتهي بإفلاسها, ما لم تتراجع عن موقفها. وبدلا من ان ينتهي الاجتماع باعلان الحرب, انتهى كالعادة باعلان السلام, وبتبادل القبلات مع شركة (ديزني لاند) ومع وزير الخارجية الاسرائيلي الذي عاد من نيويورك لكي يقسم برأس (هرتزل) الكبير ان اسرائيل قد انتصرت, وان الشركة لم تتراجع خطوة واحدة إلى الخلف, لأن التراجع إلى الوراء احدى سمات القومية العربية, وان وزراء الخارجية العرب, قد خذلوا الدكتور عبدالمجيد, فلم يتخذوا قرارا بالمقاطعة, بل واتفقوا مع زميلهم الوزير الاسرائيلي, على ان المقاطعة قد أصبحت موضة قديمة, لا تتناسب مع قوانين الدنيا الجديدة, وبذلك تدمر مشروع الفيلد مارشال. والذي أعرفه ان عرب الجامعة لا يعارضون من حيث المبدأ ان تكون القدس الغربية عاصمة لاسرائيل, وانهم في أحسن حالاتهم تطرفا يطالبون فقط بان تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية, باعتبارها من الأراضي التي احتلت في عدوان 1967, والتي ينص القرار 242 على اعادتها, بينما تصر اسرائيل على ان تظل القدس موحدة, وعاصمة أبدية لها, وعلى العرب المتضررين ان يشربوا من البحر, وان يضربوا رؤوسهم في حائط المبكى. أما من حيث الواقع الراهن الذي يتفاوض العرب على أساسه, فإنهم لا يعارضون في ان تظل القدس موحدة, ولا ان تكون عاصمة لاسرائيل وأقصى ما يطمحون إليه هو ان تكون هذه الموحدة الأبدية عاصمة لدولتين, واحدة اسرائيلية والثانية فلسطينية, أما من حيث المتوقع, فإن التسوية الراهنة سوف تنتهي بأن يؤسس الفلسطينيون عاصمة لهم, في حي (أبو ديس) ـ المتاخم للقدس ـ ينقلون إليها رئاسة جمهورية عرفات, تطبيقا للمثل القائل: (الذي لا يرضى بالخوخ يرضى بشرابه) والذي لا يستطيع ان يسترد القدس فإن في (أبوديس) متسع للجميع! وربما لهذا السبب ادهشني وأسعدني تأكيد الدكتور عصمت عبد المجيد بأن وزراء الخارجية العرب سوف يصدرون قرارا بمقاطعة شركة (ديزني لاند) ليس فقط لأنه يوحي بأن العرب ـ على ما هم عليه من ضعف وتشرذم ـ لا يزالون يعتبرون (القدس عروس عروبتهم) ولا ينوون التفريط على الأقل في القدس الشرقية, ولا يقبلون مجرد ان تضع اسرائيل لافتة تزعم فيها انها عاصمتها, بل لأنه كان ـ كذلك ـ إعلانا عن أنهم قرروا العودة لاستخدام سلاح المقاطعة من الدرجة الثانية, الذي كانوا قد تنازلوا عنه من دون أي سبب, أو أي مقابل, منذ انعقاد مؤتمر مدريد, فضلا عن ان صدور قرار بهذا النص يعني ان العرب يتوحدون لأول مرة حول موقف آخر غير اتحادهم على ألا يتحدوا. لكن الاعلان الذي تحمست له حتى أنني فكرت جديا في الانضمام إلى جيش تحرير القدس الذي يقوده (المشير) الدكتور عصمت عبدالمجيد, بدا لي منطويا على تناقضات والتباسات لا يمكن فهمها, إذ كيف تتوحد الدول العربية على احياء سلاح المقاطعة من الدرجة الثانية أي مقاطعة الشركات التي تتعامل مع اسرائيل, ومن بينها من تنازل حتى عن سلاح المقاطعة من الدرجة الأولى, وتخلى عن مقاطعة اسرائيل ذات نفسها, من دون ان تكون هناك معاهدات تلزمه بذلك, ومن دون ان يقبض هو أو تقبض الأمة العربية ثمنا لهذا التنازل. ثم انني بحكم التجارب أصبحت أتخوف دائما من هذه المظاهرات العنترية التي تعود العرب ان يقوموا بها, ليس فقط لأنها لا تسفر دائما إلا عن عكس المقصود منها, أو لأنها تبدو مقصودة لذاتها, ولكن ـ كذلك ـ لأن النظام العربي تعود ان يدير الصراع مع اسرائيل بالأسلوب نفسه الذي ينتهي بهزيمتنا كل مرة. ومنذ بدأ هذا الصراع, ونحن في الواقع, في وضع الفأر جيري الضعيف المسكين, الذي تحتل الدول الاستعمارية اراضيه, وتحتل ارادته السياسية, بينما اسرائىل في وضع (القط توم) , القوي القادر الذي تسنده هذه الدول الاستعمارية وتزوده بالسلاح والمعونات والمهاجرين لكي تمكنه من الاستيلاء على ارضنا. وعلى العكس من هذا الواقع, فقد اصر النظام العربي دائما, على أن يتظاهر أمام شعوب, وأمام الدنيا كلها بأنه يلعب دور (القط توم) , ولم يكف يوما عن تلعيب عضلاته, وبرم شواربه, والبصبصة بذيله, مهددا بأنه سوف يلقي بإسرائىل في البحر, بينما تلعب اسرائىل دور (الفأر جيري) فتتظاهر بالضعف, وتملأ الدنيا صياحا بأنها مجرد جزيرة صغيرة ضعيفة يحيط بها من كل جانب بحر من الاعداء, يتمثل في 23 قطا عربيا من فصيلة النمور المتوحشة, بقيادة (النمر) عصمت عبدالمجيد وفي ظل هذا التظاهر بالضعف تضرب وتنتصر وتحول القط العربي إلى فأر! ولو انصف العرب لادركوا ان المهم هو القوة لا التظاهر بها, وان تربية العضلات هي التي تفيد, لاتلعيبها من دون ان تكون موجودة اصلا, وان التهويش لايكسب أحدا معركة, ولو أنهم استفادوا من افلام (توم) و(جيري) لادركوا ان الذكاء يمكن ان ينتصر على القوة, وان العقل يمكن ان يقهر العضلات ولواجهوا انفسهم بأنهم وصلوا الى الحالة التي لم يعودوا فيها يملكون لا عضلات ولا عقل! وربما لهذا السبب, انتهت حرب (والت ديزني) بنوع من الخسارة, فالمخلصون دقوا طبول الحرب, ولم يقدروا لأقدامهم قبل الخطو موضعها ولم يتأكدوا تماما من مواقف الدول العربية الاخرى, تجاه العودة لاستخدام سلاح المقاطعة من الدرجة الثانية, قبل ان يعلنوا التعبئة العامة, فاذا باجتماع تحديد موعد الحرب يتحول الى اجتماع لاصدار قرار الانسحاب. ولو أن قرار مقاطعة ديزني لاند كان قد صدر لكان معنى ذلك ان الله قد فتح على العرب, فاستعادوا سلاح المقاطعة من الدرجة الثانية, وهو ماكان لابد وان يقودهم الى استعادة سلاح المقاطعة من الدرجة الاولى, وبذلك يصنعون من ضعفهم قوة, ويعوضون جانبا من اسلحة الحرب العسكرية التي لايملكونها بأسلحة الحرب الاقتصادية التي يملكونها, ويغيرون ـ بعض الشيء ـ موازين القوى الراهنة, التي تتحكم في المرحلة النهائية من المفاوضات حيث ستطرح أعقد مشاكل التسوية الخائبة التي تورط فيها النظام العربي, ففي ظل هذه الموازين, لا (قدس) بل (أبوديس) ولا دولة فلسطينية, بل مجلس فلسطيني محلي, ولا عودة للاراضي التي احتلت في 1967 بل عودة فقط لـ (أراض) مما احتل في هذه الحرب. ويخطىء الذين يقولون ان سلاح المقاطعة من الدرجة الثانية لم يضر اسرائيل, لأن الاسرائيليين انفسهم يعترفون بأن هذه المقاطعة قد اضرت بهم ولو لم تكن هذه المقاطعة تضرهم, لما تحركوا بسرعة لكي يضغطوا على العرب, حتى لا يقاطعوا (والت ديزني) وهم لا ينكرون ان الانتعاش النسبي الذي تحقق للاقتصاد الاسرائيلي, يعود في جانب منه, الى تدفق استثمارات مئات الشركات العالمية, التي أقبلت عليهم, بعد ان ضمنت ان العرب لن يقاطعوها, ولا يخفون ان هذا الانتعاش, هو الذي يمكنهم من الصمود في معركة المفاوضة مع العرب, والاصرار, على ان تكون (ابوديس) هي عاصمة المجلس المحلي لفلسطين. ويخطىء الذين يقولون انه يتوجب على الدول العربية جمعيها ان تشهر سلاح المقاطعة من الدرجة الثانية, في وجه كل دول العالم بصرف النظر عن النتائج, فهناك دول عربية تعتمد على امريكا ـ أو غيرها ـ في غذائها الاساسي, وأخرى تعتمد عليها في أمنها, وثالثة تعتمد عليها في استيراد تكنولوجيا لا تستغني عنها, وهي تقول, ان استخدام سلاح المقاطعة من الدرجة الثانية يمكن ان يضر بها.. فضلا عن انها قد لا تكون حرة الارادة تماما في استخدامه! وخلاصة الكلام, ان علينا ان نعود لاستخدام سلاح المقاطعة في ضوء الظروف المتغيرة, والمتدهورة, وان نرفع من كفاءة استخدامنا له, بالطريقة الذكية والماكرة ذاتها التي يستخدم بها (الفأر جيري) امكانياته الضعيفة لهزيمة القط (توم) , لابد من العودة لاستخدام سلاح المقاطعة من الدرجة الاولى ـ أي مع اسرائيل نفسها ـ بشكل شامل, باستثناء الدول العربية التي وقعت معاهدات مع اسرائيل, ولابد من استخدام سلاح المقاطعة من الدرجة الثانية بشكل مرن, يأخذ من كل دولة ما تستطيع ان تقدمه, وما تحتمله ظروفها, فالذي يستطيع ان يقاطع جميع الشركات العالمية التي تتعامل مع اسرائيل, من دون ان تتضرر مصالحه, ضررا كبيرا, لابد وان يقاطع والذي يستطيع ان يقاطع بعضها دون الآخر يفعل, وفي كل الاحوال فإن المقاطعة الشعبية من الدرجتين الأولى والثانية, لابد وأن تستمر, وان تتواصل وان تتصاعد. المهم ان نصنع من ضعفنا قوة, وان يقوم كل منا بواجبه, وان ننسق فيما بيننا, وان نأخذ من كل دولة ما تستطيع ان تقدمه, وما تطيقه ظروفها, وان يكون هدفنا هو ان نواصل الضغط من اجل استرداد حقوقنا, وليس المزايدة على بعضنا البعض! أما الأهم, فهو ان نربي عضلاتنا قبل ان نُلعبّها, وأن نتظاهر دائما بأننا (جيري) حتى لو كنا (توم) حتى لا يأتي اليوم الذي نشترك فيه بجناح في معرض (والت ديزني) نعلق على بابه لافتة تقول (أبوديس: رمش عين عروبتنا) !