لم يعد سؤال التحديث والتنوير في مجتمعاتنا العربية سؤالا نظريا. وانما غدا اليوم جزءا اساسيا من معركة الوجود والتناغم مع العالم المعاصر. والواقع ان دولنا, ودول العالم الاخرى, لم تعد تملك خيارات كثيرة ازاء هذه المسألة الحيوية . فالعالم لن يتجه حثيثا صوب الاندماج والاقتراب من بعضه البعض اكثر فأكثر. وهو اندماج وتقارب يشترط وجود حد معقول من التماثل بين دوله, ولغة قابلة للتفاهم وقيم مشتركة يمكن ترجمتها وفهمها واستيعابها من الجميع. لقد نجحت دول عربية عدة في تحديث بناها التحتية وخدماتها وسائر انشطتها المادية. بيد انها اخفقت او تقاعست عن القيام بتحديث مماثل على مستوى بناها الثقافي والاجتماعي. فظل جسمها ولباسها الخارجي عصريا يحاكي التطور في البيئة العالمية, بينما عقلها وتفكيرها في حالة غربة وانفصال تامين. وكان لابد لهذه الغربة من ان تعيق محاولات الدولة العربية نفسها للمضي قدما في طريق تلبية التزاماتها الحياتية والدولية كدولة تعيش في العصر الحديث, وما يترتب عليه ذلك من انفتاح وتواصل وتعاون في بناء المستقبل مع باقي دول العالم وشعوبه. لكن كيف يتم الانفتاح على الخارج في ظل انغلاق الداخل وتزمته, وكيف يتسنى تحقيق التواصل مع شعوب العالم الاخرى في ظل هستيريا العداء السائدة لكل ما هو (اجنبي) او (وافد) والتي تمثلها ثقافة (الغزو الثقافي) وكيف يمكن صناعة المستقبل في الوقت الذي ينشد الناس فيه افرادا وجماعات الى الماضي! ومن ثم فإن التحديث العربي ـ اذا جازت التسمية ـ هو تحديث شكلي, وهو يتم بمعزل عن التنوير نفسه. والواقع اننا لو عدنا سنوات الى الوراء لوجدنا انه منذ عصر النهضة العربية ـ ويؤرخ له منذ منتصف القرن الماضي وحتى العقود الاولى من هذا القرن ـ لم يكن امام الانسان العربي, معركة أهم من معركة التنوير والتحديث ونفض غبار القرون عن العقول والادمغة. فاذا كان الاستعمار (التركي او الغربي) وقتها ضاغطا بكل قوته على المنطقة العربية, فان الجمود والتخلف كان اشد ضغطا ووطأ على عقول وتفكير سكانها. ومن اسف ان هذه المعركة لم تخض ابدا كما ينبغي, ولم يتسن العربي ان يعيش سوى لحظات قلائل يهنأ فيها بالنهوض والانعتاق النفسي والعقلي والمادي من قيود العوائد القديمة والمتحجرة. وفيما بعد جرى افتعال معارك اخرى غطت على المعركة الرئيسية, فوجدنا من يشد الناس الى محاربة (الغزو الثقافي الاجنبي) ومن يشد الناس الى محاربة (الامبريالية والرجعية والاقطاع) ومن يشدهم الى معارك هنا أو هناك. وربما صادفت بعض هذه المعارك نجاحا, وبعضها الآخر اخفاقا غير ان الوضع العربي ظل كما هو, في خطوطه العريضة, وضعا محافظا, ساكنا, غير قادر على اخراج نفسه من ربقة التخلف والظلامية التي سقط فيها منذ سبعة قرون. ورغم الانفراجات التي تحققت ـ في العقود الاولى من هذا القرن ـ بفضل كوكبة من المجددين والمفكرين والمصلحين العرب من دعاة التنوير, ما انعكس ايجابا على اوضاع الانسان العربي, والمرأة خصوصا, اجتماعيا وثقافيا وفكريا, وما تجلى كذلك في ميادين اخرى مثل: الفنون والآداب والسلوك الاجتماعي العام, تحضرا وتقدما. غير ان الدائرة عادت لتنغلق من جديد مع البدايات الاولى لقدوم جحافل المد الاصولي والرعوي واختراقها للمنطقة العربية. والحق ان هذا المد لم يبق في طريقه ولم يذر, سوى القليل من تلك المكتسبات الحضارية, وعاث فيما تبقى تخريبا وتجهيلا كل ما طالته يديه ورجليه, على نحو ذكرنا بالمد الرعوي التركي الذي انتج الاستعمار العثماني منذ القرن الرابع عشر, والموجات المتفرقة المقبلة من سهول آسيا التي طالما ضربت الحواضر والمدن العربية فأشاعت فيها التخلف والضمور العقلي. ولا جدال بان منطقتنا العربية, من اكثر المناطق قابلية للاختراق , واقلها استعصاء, بسبب هذا الفراغ الصحراوي المترامي الاطراف, والذي يعزل ويباعد بين مراكز العمران والحضارة, فيجعلها صيدا سهلا لكل طامع او غاز, داخليا كان ام خارجيا, مهما بلغت قوته او ضعفه. وقد ظل هذا الحال, على حاله منذ فجر التاريخ. ولهذا السبب لم يتسن ابدا خلق مراكز حضرية قوية في المنطقة العربية قادرة على انتاج الحضارة وحمايتها. والاستثناء الوحيد ربما كان هو عصر النهضة الاولى ـ اي خلال فترة حكم الخليفة العباسي المأمون, وما تلاها بقليل. بينما لم يكن حظ المحاولات الاخرى, على قلتها, التي سعت لاستعادة شيء من ذلك البريق, سوى الاخفاق والانقطاع. ولهذا فان التاريخ العربي يمكن ان ينظر اليه من هذه الزاوية, على انه سلسلة من العثرات المتوالية, من النهوض والسقوط. واحسب ان قيام النهضة العربية الحديثة ثم انتكاستها, تندرج في هذا الاطار. ولهذا نحن لا نلوم من حملوا لواءها, دون ان يوصولها الى نهايتها الطبيعية. فما كان بمقدورهم ان يفعلوا ذلك, حتى وان ارادوه. فالبيئة التي حرثوا فيها, لم تكن مهيأة فحسب, وانما ايضا بيئة ضعيفة وعرضة لمختلف انواع الهزات والتأثيرات الخارجية. (وتصح هنا بالذات, النظرية القائلة بضعف الدولة, في موازة قوة العصبيات الاجتماعية المختلفة كتفسير لذلك) . وقد سعت القوى الاستعمارية, منذ تجربة محمد علي باشا في مصر, الى تعقيد كل امكانية للنهوض والتحديث في المجتمع العربي.