عقاب الذين تثبت ادانتهم حتى لو جاء العقاب متأخرا يعتبر أصل العدالة منذ الفكرة الأولى للقانون في العهد الإغريقي, ربما كان العقاب المتأخر اقل أثرا في تثبيت فكرة العدالة, ولكن أحيانا ما يكون العقاب المتأخر اكثر أثرا في تثبيت تلك الفكرة من رؤية المجرم حرا طليقا يتمتع بحياته كيفما شاء بينما الضحايا منسيون, وأسرهم تعاني رؤية المجرم مستمتعا بحياته بكامل الحرية وبلا منغصات, ولا حتى منغصات الإحساس بالذنب, لأن الكثيرين من المجرمين يرتكبون جرائمهم دون إحساس بالذنب, كما هو الحال مع دكتاتور التشيلي السابق الجنرال بينوشيه. ان رؤية الجنرال اوجوستو بينوشيه وهو يمثل تمثيلية المرض من خلال جلوسه على كرسي متحرك أمام كاميرات التلفزيون ليهرب من مواجهة مسؤوليته عن الجرائم التي ارتكبها خلال انقلابه الدموي, وفترة حكمه الأكثر دموية, بعد أن اغلق القضاة البريطانيون الأبواب في وجهه, ولم يعد له مهرب سوى مواجهة محاكمته أمام محكمة اسبانية عن (بعض) الجرائم التي ارتكبها, خاصة بعد أن خاب أمله وأمل المدافعين عنه بحكم القاضي (المحافظ) رونالد بارتل بوجود أدلة صحيحة لا تقبل الدحض, رؤيته على كرسيه المتحرك في تلك التمثيلية الهزلية مثيرة للسخرية, بل هي تثبت أن الجنرال ارتكب تلك الجرائم التي يطالب القضاة الاسبان بتسليمه لمحاكمته بسببها, خاصة بعد أن كان الجنرال ومحاموه وصحبه حلموا بإمكانية الحكم بإطلاق سراحه من (قفصه الذهبي) الذي يرقد فيه في لندن منذ اكثر من عام, لأن القاضي بارتل معروف أنه من أتباع رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر, التي تعتبر اكبر مدافعة عن الجنرال وجرائمه, دون أن تعترف أن دفاعها ليس دفاعا مبنيا على قاعدة قانونية تعفي الجنرال من مواجهة المحاكمة, ولكنه مبني على (رد الجميل) للجنرال, الذي لولاه ما كان للجيش البريطاني أن يستعيد جزر الفولكلاند (المالفين), التي حاول الأرجنتينيون استعادتها من المستعمر البريطاني خلال الحرب الدامية التي شهدتها عام ,1981 ولم يجد القاضي البريطاني المحافظ اشد أتباع مارجريت تاتشر حماسا مفرا من الإقرار بان الأدلة التي كانت توجد أمامه تدين الجنرال, أو على الأقل تشكل قاعدة صلبة وقوية يمكن من خلالها بدء محاكمة شخص ارتكب جرائم تحرمها القوانين الدولية, التي وقعت بلاده على اتفاقية بشأن مكافحتها, وتعهدت بتنفيذها متى وجدت سبيلا إلى ذلك. طبقا لطلب التسليم الذي كان على القاضي البريطاني أن يقرر فيه مصير المتهم, يبين بوضوح أن الدكتاتور التشيلي السابق ترك للحكومة الديمقراطية التي تسلمت الحكم منه إرثا دمويا لحكم عسكري بوليسي استمر لمدة 17 عاما, ويثبت أيضا أن الجنرال مسؤول مسؤولية مباشرة عن مصير خمسة آلاف على الأقل من ضحاياه من المواطنين التشيليين وبعض المواطنين الأجانب, ما بين اغتيال, وإعدام بلا محاكمة, واختفاء, وهو رقم قليل إذا قسناه إلى أن القاضي كان ملتزما فقط بالحكم في قراره عن الجرائم التي جرى ارتكابها بعد عام ,1987 الذي تسري فيه الاتفاقية, بينما هناك جرائم تمتد على مدى أربعة عشر عاما أخرى ارتكبها الجنرال, لكن لا يمكن محاكمته بسببها, ليس لأنه لم يرتكبها أو غير مسئول عنها, أو لم تكن له علاقة مباشرة بها, ولكن لان الاتفاقية الدولية التي تلتزم بها بريطانيا لا تدخل تلك الجرائم في إطارها الزمني. هذا (الحكم) الذي قضى به القاضي البريطاني المحافظ يعتبر سابقة مهمة في تاريخ قانون العقوبات الدولي, لأنه يفتح الطريق أمام قضايا أخرى يمكنها أن تغير كثيرا من الأوضاع في العديد من الدول التي ترزح تحت حكم دكتاتوري مماثل لحكم الجنرال بينوشيه, وما أكثرهم في الدول المتخلفة, أو أنها على الأقل سوف تجعل أي دكتاتور دموي, يصل إلى الحكم بانقلاب عسكري, يفكر كثيرا قبل أن يرتكب أي حماقة من تلك الحماقات التي يرتكبها الانقلابيون عادة باسم (الدفاع عن الوطن) , أو عليه أن يستعد لقضاء بقية حياته محاصرا داخل حدود بلاده, خوفا من القبض عليه عند عبوره لتلك الحدود التي ارتكب من ورائها تلك الجرائم, فيتحول إلى سجين لأفعاله. لكن هذه السابقة تعتبر سابقة قانونية (ناقصة) , لأنها لم تطالب بمحاكمة شركاء الدكتاتور في جرائمه, سواء بالمساعدة الفعلية أو بالتحريض المباشر أو غير المباشر, لأن السابقة القانونية التي وضعها القاضي البريطاني كان يجب أن تشتمل على المطالبة بمحاكمة الأشخاص الذين شاركوا في تلك الجريمة, وفي هذه الحالة كان يجب الحكم أيضا بإدخال الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر, إضافة إلى مدير وأعضاء المخابرات المركزية الأمريكية أطرافا مسؤولة مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الدكتاتور السابق بينوشيه عن انقلابه الدموي عام 1973 والجرائم التي أعقبت ذلك الانقلاب, خاصة أن وثائق ذلك الجهاز المرعب تعترف صراحة بالتخطيط لهذا الانقلاب الدموي, وتمويله والمشاركة في تنفيذه بأوامر مباشرة من هنري كيسنجر وساكن البيت الأبيض وقتها ريتشارد نيكسون. من هنا يمكن الوقوف إزاء هذه السابقة القانونية بقلق له مبرراته, السابقة القانونية تبدو مبنية على قاعدة (استعمارية) , أي أنها موجهة للتطبيق على البعض وإعفاء البعض الآخر من المسؤولية إزاء الجرائم التي يجب على البشرية جمعاء أن تعاقب مرتكبها, أيا كان وأينما كان مرتكبها, تحقيقا لمبدأ المساواة في العدالة بين البشرية جميعا في ظل (عولمة العدالة) . عدم امتداد هذه السابقة القانونية إلى أشخاص شاركوا الجنرال المسؤولية عن هذه الجرائم لمجرد أنهم ينتمون إلى دولة تمثل قوة عظمى سياسيا واقتصاديا وعسكريا يجعلها (قاعدة قانونية استعمارية) , القاضي بريطاني, والدولة التي تطالب بمحاكمة الجنرال هي اسبانيا التي تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي, أي أنها تقف أيضا في الجانب القوي من السياسة الدولية, بينما الجنرال المطلوب محاكمته ينتمي إلى التشيلي, التي تعتبر في عرف السياسة الدولية دولة هامشية لا وزن لها, ولا لوجودها سياسيا واقتصاديا وعسكريا, أما شركاء الجنرال في تلك الجرائم مثل كيسنجر ونيكسون ومدير المخابرات الأمريكية الذين يعفيهم القاضي البريطاني, ولا يطالب القضاء الاسباني بتسليمهم لمحاكمتهم ينتمون إلى قوة عظمى, ترتكب الجرائم ولا تعترف بمسئوليتها عنها. من ناحية أخرى يمكن قبول هذا الحكم الذي أرسى به القاضي البريطاني تلك السابقة القانونية على انه حكم مقبول مؤقتا, على الرغم من الانتقادات التي يمكن أن توجه إليه, لأنه يفتح الطريق إلى إمكانية أن يتولى مواطنون أمريكيون إجبار حكومتهم على استكمال تلك القاعدة, خاصة أن أحد أبرز ضحايا الجنرال هو الصحافي الأمريكي (تشارلز هورمان) الذي اصدر الجنرال بينوشيه قرارا بإعدامه بلا محاكمة ولم تحاول المخابرات الأمريكية إنقاذه رغم علمها بالخطر الذي كان يحيق بحياته قبل إعدامه, طبقا لوثيقة أفرجت عنها المخابرات الأمريكية مؤخرا تحت ضغوط من الحملة التي تقودها أرملة الصحافي المغتال, منذ أن نجح فيلم (المختفي) الذي يتناول الانقلاب العسكري منطلقا من قضية اغتيال الصحافي, وهو الأمر الذي كانت المخابرات والسلطات الأمريكية ترفض الحديث عنه, أو مجرد الاعتراف به باعتباره من (أسرار البلاد العليا) . أي سابقة تاريخية لها مخاطرها أيضا, والسابقة القانونية التاريخية التي أرساها القاضي البريطاني بحكمه تسليم الجنرال لاسبانيا لمحاكمته تعتبر سابقة تاريخية, وخطوة مهمة على طريق جديد, على الرغم من عدم إشارته إلى شركاء الجنرال في الجرائم التي ارتكبها أو المطالبة بعقابهم مع الجنرال, إلا أن الوثيقة السرية الخاصة باغتيال الصحافي الأمريكي في التشيلي أثناء انقلاب بينوشيه الدموي, والتي أفرجت عنها المخابر ات الأمريكية قبل يوم من إعلان قرار القاضي البريطاني تعتبر خطوة مكملة, أو على الأقل تمنحنا الأمل في إمكانية أن نرى يوما ما أحد المسئولين الأمريكيين عن تلك الانقلابات العسكرية الدموية التي كانت منتشرة كالوباء في العالم المتخلف, خلال فترة الحرب الباردة في قفص الاتهام مع الجنرالات الذين دعموهم, وساعدوهم على اغتيال الحريات في الوقت الذي كانوا يرفعون فيه شعارات الحرية. أي سابقة تاريخية لها مخاطرها التي ربما لا يعيها من يقدم على إرساء تلك القاعدة, وسابقة الحكم بتسليم الجنرال بينوشيه لمحاكمته لن تكون استثناء عن تلك القاعدة, لأن القاعدة التي تستثني أحدا من تطبيق العدالة لا يمكن أن تصمد طويلا حتى تمتد إلى الجميع على قدم المساواة, والقاعدة التي أرساها القاضي البريطاني ليست استثناء عن تلك القاعدة, وان كان علينا أن ننتظر طويلا حتى نرى من تستثنيهم عدالة القاضي البريطاني من العقاب عن جرائمهم مع الجنرال في قفص الاتهام, أو على الأقل هناك أمل في أن نرى في المستقبل القريب مجرمين في قفص الاتهام ينتمون إلى دول كبرى.