الامارات... والجريمة الاقتصادية ، بقلم : نجيب عبدالله الشامسي

تعتبر الجريمة الاقتصادية او جرائم المال اخطر الجرائم التي تمس كيان المجتمع فيما اذا استشرت وتفشت في اوساط افراده لاسيما في المجتمعات التي يشكل فيها الوافدون الغالبية العظمى. ذلك ان جريمة المال او الجريمة الاقتصادية تضرب البنية الاساسية للاقتصاد الوطني حينما تنعدم الثقة او تضعف في مؤسساتنا الاقتصادية وفي قطاع المال او القطاع الخاص عامة كما ان رأس المال بطبعه جبان يبحث دائما عن الامان خاصة في ظل التطورات العالمية والمستجدات التي افرزتها مظاهر الخوف الاقتصادية , والتي ادت الى مطالبة الدول التي يتوفر فيها الامان والاستقرار الاقتصادي والامني كسويسرا اصحاب رؤوس الاموال والمودعين في مصارفها بدفع فائدة على اموالهم المودعة لدى مصارفها ومؤسساتها المالية. من هنا فإن الامارات العربية المتحدة التي تنشد ان تكون سوقا عالمية او احد المراكز التجارية الكبرى يجب على المعنيين فيها ان يتذكروا جيدا الشروط والمتطلبات الواجب توفرها في سوقنا المحلية كي تصبح الامارات منطقة جذب ليس للاستثمار الاجنبي فقط انما لرأس المال الوطني نفسه, وذلك تلافيا لحدوث تدفق لرأس المال الوطني الى الخارج بعيدا عن الاقتصاد الوطني, وليخدم اقتصادات دول اخرى فيما اقتصادنا هو الاحق به. ولقد اكدت تجارب الدول سواء كانت العربية او الاجنبية بأن رؤوس اموال كبيرة قد انسحبت من اسواق تلك الدول لان اصحابها يبحثون عن الامان قبل العائد, رغم وجود امكانيات طبيعية وفرص استثمار كبيرة في تلك الدول وكان الامر يحتاج الى رأس المال كي يحول تلك الفرص والموارد الى سلع وخدمات. من هنا فإن الازمة الاسيوية التي حدثت في جنوب شرق آسيا ثم ازمة انخفاض اسعار البترول وتأثيراتها على الاوضاع الاقتصادية في دول الخليج ومنها الامارات العربية, كان لابد وان تفرز معطيات جديدة ومؤشرات تحتم علينا دراستها وتحديد ابعادها وتداعياتها ولعل من اهم تلك التداعيات بروز الجريمة الاقتصادية بشكل اكثر وضوحا وقد لعبت الصحافة بثوبها الجديد دورا في ابرازها انطلاقا من اهمية الشفافية في العمل الاقتصادية. فخلال الفترة الاخيرة طالعتنا الصحف بجرائم اقتصادية اضحت حديث الشارع, وشكلت قلقا كبيرا في الاوساط المالية والاقتصادية وما يكاد الشارع ينهي مناقشة قضية او جريمة إلا وتبرز اخرى حتى اصبحت الامارات مسرحا للجريمة الاقتصادية وتتطلب من الجهات المعنية الاسراع ليس الى الحد من النشر عنها وليس بالتصريحات عن عدم وجودها وانما بالاقرار بوجودها والعمل على معالجتها كل حسب اختصاصه وصولا الى الحد من تفاقمها كي لا تصبح جريمة مستديمة يعاني منها المجتمع الاقتصادي خاصة والمجتمع عامة, وهناك جهات ومؤسسات اقتصادية وامنية معنية تماما بهذا الموضوع ولا يجب ان يقتصر الدور على القطاع الحكومي او العام وانما يجب اشراك القطاع الخاص بمؤسساته المختلفة كي يتم التصدي لهذه الجريمة وحتى لا تصبح ظاهرة تؤرق مضاجع مختلف شرائح المجتمع العاملين او المتعاملين مع سوق الامارات. فالجريمة التي اقترفها باتيل بهروبه من الامارات مكبدا مؤسسات وافراد القطاع الخاص مبلغ مليار ومائتي مليون درهم تشير الى تواطؤ واضح لدى افراد يعملون في دوائر رسمية ومؤسسات القطاع الخاص وإلا لما تمكن من القيام بهذه الجريمة. ثم جاءت جريمة اخرى اقترفها ودبرها (كومار) ومن ورائه ذويه وعدد من افراد العصابة, وهي جريمة هدفها اموال الناس والمستثمرين, ثم اخيرا نفاجأ بجريمة اخرى كان بطلها (راجيش دينوجا) والذي يعمل في ابوظبي منذ ثلاثين عاما استطاع خلالها كسب ثقة المودعين من مواطنين ومقيمين ليترك البلاد هاربا ومخلفا ديونا ضخمة تقدر بملايين الدراهم بعدما تعرض لخسائر تقدر بعشرين مليون درهما بسبب مضاربات الذهب التي كان يقوم بها. وقبل تلك الجرائم التي قام بها هؤلاء الآسيوين هناك جرائم اخرى هي جرائم شركات توظيف الاموال التي كبدت المواطنين والمقيمين مئات الملايين, وكانت هذه الشركات تعمل تحت مظلة القانون ولكن لم يفعل القضاء ولا حتى الأمن اي شيء من اجل استرداد حقوق الناس, الامر الذي يترك انطباعا وسمعة ليست مناسبة لسوقنا المحلية. اما جرائم المزادات والتي تستند اساسا الى دوافع مالية فهي عديدة وكشف حقائقها امر لابد منه لمواجهة المتلاعبين بأمن البلاد واقتصادها ورغم جهود الجهات الامنية لمكافحة هذه الجريمة إلا ان الدوافع وراءها كبيرة جدا وسوف تؤدي اذا اهملت الى القضاء على العنصر البشري, وهو هام جدا في التنمية الاقتصادية ولذلك فإن تجارة المخدرات وارتباطها بالاوضاع الاقتصادية اضحت من اخطر الجرائم التي تهدد مجتمعاتنا, حيث يسعى مهربو المخدرات وتجارها الى اغراء بعض افراد المجتمع بفتح حسابات مصرفية ويقوم اولئك التجار بتحويل مبالغ ضخمة الى تلك الحسابات التي يملكها بعض المواطنين, ثم يتم الطلب منهم اصدار شيكات بمبالغ الى حسابات في مصارف خارج الدول بعدما يتم دفع نسبة من تلك المبالغ لاصحاب الحسابات في الامارات, وهذه الجريمة المسماة بجريمة غسيل اموال المخدرات هي في نوعها اقتصادية, بل الادهى من ذلك ان يقوم تجار المخدرات بمخاطبة قائد عام شرطة دبي اللواء ضاحي خلفان برسالة تتضمن عرضا بقيمة ستة ملايين دولار يتم تحويلها الى حسابه الشخصي وذلك حسبما صرح به للصحافة كما ان تلك الرسالة نشرت في صحافتنا المحلية. ان جنون الاجرام وفنون المجرمين تأخذ ابعادا واشكالا مختلفة, الامر الذي يؤكد على ان الامارات كانت ومازالت مستهدفة من قبل المجرمين كي يمارسوا في سوقها جرائمهم الاقتصادية والامنية والمالية, ويعمل المسؤولون فيها كي تصبح مركزا تجاريا واقتصاديا وماليا كبيرا في العالم, فإن ذلك يدعو الى تضافر كل الجهود وتعاون كافة المؤسسات للتصدي لمثل هذه الجرائم. ولعل العلاج يبدأ من دراسة للاوضاع السكانية نظرا لما تمليه تلك الاوضاع من افرازات سلبية تشكلها الجريمة الوافدة الينا, ثم ضرورة تشديد الرقابة المالية والاقتصادية والامنية من خلال سن تشريعات وقوانين تحد من تلك الممارسات هدفها النيل من سمعة الامارات الاقتصادية خاصة والامنية عامة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات